يمكنكم طباعة السؤال بشكل مطلوب من خلال شريط الأدوات أسفل كل سؤال

آرشيف الأسئلة

البحث في الموقع

إحصائيات الموقع

زيارات الموقع اليوم: 1,457
زيارات الموقع: 3,687,167
عدد السائلين: 1,045
عدد الأسئلة: 3,370
الأسئلة في قائمة الإنتظار: 0

 

حسين علي حليج » بيان المغالطات والتلبيسات في اتهامات عباس الموسى
بيان المغالطات والتلبيسات في اتهامات عباس الموسى

مقدمة:

إن من أجلى سمات ومعالم المجتمع الناهض هو تفعيل حركة البحث العلمي وتنشيطها ومحاولة الرفع من وتيرتها لأن هذا العمل إذا كان عن رؤية واضحة وبصيرة ثاقبة فإن النتاج سيكون بلا شك نتاجا مثمرا ومؤشرا نضرا على سلامة هذا المجتمع وصحته المعرفية إذا صح التعبير في آن واحد ولكن هذه الحركة البحثية العلمية إذا كانت متباعدة عن شرائط البحث العلمي الحيادي الاستقرائي التام فإنها ستكون ذات نتائج خاطئة ومتسرعة وسلبية تعاكس الهدف وتتناقض مع الطموح الذي ينشده الجميع من أية حركة علمية مثمرة وهذه السلبية والنتائج الخاطئة ستنعكس على المجتمع الذي تعيش فيه وتتواجد من حوله خاصة إذا لم يكن هناك من ينبه إليها ويشير لها وللأسف طالعنا في الآونة الآخيرة بعض ما سمي «بالدراسات» المختصة بالجانب التخصصي التي تحوي وللأسف الشديد مغالطات لا تخفى على المتأمل البصير وهذه المغالطات قد نحت عمدا أو عن غير عمد منحى توجيه الاتهامات لعلماء الطائفة وفقهائها بأسلوب لا يمت للبحث العلمي بصلة وأيضا لا يمت إلى أخلاقيات الباحث المنصف وسلوكياته القويمة من جهة أخرى وهذه الدراسات التي نتكلم عنها كانت للأخ الكريم عباس الموسى رعاه الله والتي توالت تباعا 1 وكان آخر هذه الدراسات وختامها دراسة لنفس الكاتب بعنوان «عقائدنا من قاعدة التسامح» وهذه الدراسة تحوي مغالطات واتهامات أحببنا أن نوضحها ونجلي الغبار عنها في مناقشة متجردة إن شاء الله وستكون هذه المناقشة من خلال وقفتين كلية وجزئية.

الوقفة الكلية:

وهنا سنحاول أن نورد بعض الأمور المحورية والجوهرية التي ستكون لنا بمثابة الأسس والمنطلقات التي لا بد من الالتفات إليها جيدا لا سيما وأنها ستعيننا في الوقفة الجزئية:

الأمر الأول: بدأ الكاتب عباس الموسى دراسته بتعريف لقاعدة «التسامح في أدلة السنن» وبيان للروايات الدالة عليها وقال أنها تسع روايات في الوسائل وأتى برواتين كشاهدين على ذلك وموقف علماء الطائفة منها وقسم العلماء إلى قسمين مؤيدين أخذين بهذه القاعدة وآخرين غير مؤيدين وآخذين بهذه القاعدة ثم عرج إلى سؤال مبطن باتهام خطير وهذا السؤال قد أورده الكاتب بعد توضيحه لموطن تطبيق هذه القاعدة والسؤال هو: هل للقاعدة دخل في العقائد؟

القاعدة فقهية ولا تمت إلى العقائد بصلة، لكن نزعة التساهل في أخذ الروايات الضعيفة جعلت ذلك ذريعة للتساهل في القضايا العقائدية.

فقد توسعت هذه القاعدة من مدلولها البسيط المختص بالمستحبات إلى مدلول أكبر بكثير بسبب التساهل فمنهم من خص ذلك بذكر ثواب على عمل ورد ذكره في رواية ضعيفة، وبعضهم أضاف إلى ذلك المكروه، وبعضهم أضاف فتوى الفقيه بمعنى أنه إذا أفتى بفتوى لمستحب دون أن تكون هناك أي رواية أصلاً فإنه يصح الاعتماد على ذلك، وبعضهم أضاف كل روايات القصص والمواعظ ومصائب أهل البيت وتواريخهم وما فيه نشر فضيلة أو منقبة أو... وحدث ولا حرج في هذا الجانب.»

يلاحظ على هذا الكلام أنه مشتمل على مغالطة مستبطنة لاتهام ذلك أنه وبالرغم من إقرار الكاتب بأن القاعدة فقهية وموردها فقهي وهذا الأمر بالطبع قد دلت عليه الروايات واستفاد علماء الطائفة منها هذا الأمر ولكن الكاتب المحترم قال:«أن نزعة التساهل في أخذ الروايات الضعيفة جعلت ذلك ذريعة للتساهل في القضايا العقائدية».

إن الكاتب من كلامه هذا كأنه يريد أن يتهم علماء الطائفة بأنهم لا يضبطون ممارستهم العلمية إزاء هذه القاعدة بأية ضوابط دقيقة ونتيجة لذلك تراهم يتساهلون ويتهاونون من دون دراية أو تدقيق هذا من جهة ومن جهة أخرى أخذ الكاتب يكيل الاتهامات للفقهاء من دون شاهد حقيقي أو دعوى صادقة تؤيد مدعاه وكأن الفقهاء لا يحددون مورد إعمال هذه القاعدة وتطبيقها ونحن سنورد نموذجا من كلام لأحد العلماء حول أدلة هذه القاعدة وما يقوله فيها وذلك لتأكيد أن علمائنا ينطلقون من منطلقات علمية خالصة وسنأتي أيضا بنموذج لأحد الفقهاء الأعلام يبين فيها مورد هذه القاعدة:

النموذج الأول: المستفاد من أدلة قاعدة «التسامح في أدلة السنن»:

يقول الحجة الشيخ مهدي المصلي: «عند مناقشة هذه الأحاديث بالقول بأن البلوغ لا يحصل إلا بالرواية الصحيحة فهو خلاف المتعارف فإنه يصح أن يقال: «بلغني هذا الخبر الكاذب» فإنه مع العلم بكذبه يصدق البلوغ فضلا عما إذا احتمل الصدق فالبلوغ هنا بمعنى النقل ولذلك عبر في رواية الصدوق عن محمد بن يعقوب بطرقه إلى الأئمة: «أن من بلغه شيء من الخبر فعمل به كان له من الثواب ما بلغه وإن لم يكن الأمر كما نقل إليه» الوسائل ج1 ص 60 وإن لم يكن الأمر كما نقل إليه وكذلك صحيحة صفوان فقد عبرت «وإن كان الرسول لم يقله» وهذه ظاهرة في أن البالغ قد يكون قد قاله الرسول وقد يكون لم يقله الرسول صلى الله عليه وآله والروايات مطلقة لا مخصص لها بما إذا كان البلوغ بطريق صحيح نعم يخرج ما لا يحتمل أن يكون الرسول قد قاله وأخبر به إما للإجماع على خروجه أو لأن المتفاهم العرفي من مثل هذه الروايات أنه لخبر الرسول دخلا في الثواب فمع القطع بعدم إخباره لا يحتمل حصول الثواب» 2.

من خلال مطالعة هذا الكلام والتمعن فيه نلحظ أنه قد أورد ضابطين لعدم العمل بهذه القاعدة:

الضابط الأول: عند الإجماع على خروج ما لا يحتمل من قول الرسول أو الأئمة عليهم السلام يتعطل العمل بهذه القاعدة.

الضابط الثاني: دخالة المتفاهم العرفي في أن لخبر الرسول أو الأئمة عليهم السلام ثواب فمع القطع بعدم إخبارهم لا يحتمل حصول الثواب.

إذن هناك ضوابط جلية وشرائط بينة للعمل بهذه القاعدة قد وضعها العلماء وسطرها الفقهاء فلا حاجة للمزايدة عليهم من قريب أو بعيد.

فنزعة التساهل المزعومة لدى الفقهاء منتفية تماما لا سيما بعد بيان مورد تطبيق هذه القاعدة ومن هنا سننتقل إلى النموذج الثاني.

النموذج الثاني: مورد قاعدة «التسامح في أدلة السنن»:

يقول الفقيه أبو الحسن الخنيزي قدس الله نفسه الزكية في كتابه «الخلسة من الزمن في التسامح في أدلة السنن» ما نصه: «مورد العمل بالتسامح هو: ما دار أمره بين النفع وعدم المضرة وبعبارة أخرى كمورد الاحتياط» 3.

ومعلوم أن مورد الاحتياط إن لم يجلب نفعا فهو خال من الضرر.

إذن يتبين لنا أن مورد القاعدة التطبيقي متعلق بالعمل المستحب الوارد بسند ضعيف ولا يلقى كما تلقى الروايات الواردة بسند ضعيف في الواجبات والمحرمات فمتعلق قاعدة «التسامح» هو تحقق الثواب المتحصل عبر قراءة الدعاء الفلاني أو الزيارة الكذائية ولا يسري متعلقها لسند هذا الدعاء أو تلك الزيارة ولا إلى التعويل عليه لاثبات صحة هذا الدعاء أو تلك الزيارة وهذا المورد قد دأب فقهاؤنا العظام وعلماؤنا الأعلام على تبيينه وتوضيحه وتجليته ولكن الكاتب قد ادعى

ادعاءا جسيما وزعما خطيرا على الفقهاء عندما أخذ يعمم بلا قيد أو مخصص فقال:

«فقد توسعت هذه القاعدة من مدلولها البسيط المختص بالمستحبات إلى مدلول أكبر بكثير بسبب التساهل فمنهم من خص ذلك بذكر ثواب على عمل ورد ذكره في رواية ضعيفة، وبعضهم أضاف إلى ذلك المكروه، وبعضهم أضاف فتوى الفقيه بمعنى أنه إذا أفتى بفتوى لمستحب دون أن تكون هناك أي رواية أصلاً فإنه يصح الاعتماد على ذلك، وبعضهم أضاف كل روايات القصص والمواعظ ومصائب أهل البيت وتواريخهم وما فيه نشر فضيلة أو منقبة أو... وحدث ولا حرج في هذا الجانب».

وهنا نسأل من هم هؤلاء البعض؟ فإن كانوا فقهاء فالبينة على من ادعى ولذا نحن نطالب عباس الموسى أن يورد أسماء هؤلاء العلماء والفقهاء الذين اتهمهم بأنهم يمعنون في التساهل في الأخذ بمضامين الأحاديث ذات الصبغة العقائدية بحجة قاعدة «التسامح في أدلة السنن» وإن كانوا من عامة الناس فهؤلاء لا يلقى لهم بال بلحاظ أن تبعات تصرفاتهم وأفعالهم راجعة إليهم وصادرة منهم وإلا فالفقهاء قد قيدوا العمل بهذه القاعدة بمورد واضح ومعايير بارزة لكل من كان له ذكرى أو ألقى السمع وهو شهيد وبهذا نكون قد فرغنا من الأمر الأول من الوقفة الكلية وبالمناسبة نقول إن استشهاد الكاتب الموسى بنموذج مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني غير تام لأن السيد هاشم البحراني قد أخذ الخبر من الشيخ رجب البرسي والشيخ البرسي لعله قد أسرى هذه القاعدة تطبيقا على روايات الفضائل بلحاظ ثبوت الفضائل وترتيب الأثر عليها وهذا ما نبه على خلافه الفقهاء ومنهم الشيخ المعظم أبو الحسن الخنيزي أعلى الله درجاته إذ يقول:

«أما إن أريد منه – أي الخبر الضعيف والتوضيح مني – ثبوتها لصاحبها وترتيب الأثر على فضله وتقاه فهو بين الفساد! لوضوح أن أخبار «من بلغ...» إنما تثبت الحكم أو الموضوع بما له من الحكم...

وأين ذلك من الثبوت الذاتي؟! كما حاوله ابن حجر! وأعجب من ذلك: أن هذا الأثر قد اقتفاه «شيخ رجب البرسي»» الخلسة من الزمن في التسامح في أدلة السنن 227 – 228 وعلى هذا تبين لنا أيها القراء الأحبة أن فقهاؤنا وعلماؤنا دقيقين جدا من هذه الناحية فلا حاجة للإتهام أو الادعاء المجرد من أي دليل صامد أمام الحجة العلمية والبحث العلمي الحقيقي.

- حقيقة المغالطة في نقل كلام للسيد الخوئي عن طريق الشيخ شمس الدين:

نقل الكاتب في معرض حديثه عن الذين لا يرون قاعدة «التسامح» من فقهاء الطائفة رحمهم الله كلاما لسيد الطائفة الخوئي أعلى الله درجاته قال فيه:

«القسم الثاني: من العلماء الرافضين لهذه القاعدة:

«البحراني في الحدائق ج7/392»، و«العاملي في المدارك ج1/ 13»، «الفاضل الجزائري كما في هداية المسترشدين للاصفهاني ج3/464»، «الشيخ الصدوق وأستاذه ابن الوليد كما في الفصول للاصفهاني ص 305»، «والسيد الخوئي في مصباح الأصول ج2/ 320» وهو من أبرز المتأخرين الرافضين لهذه القاعدة فقد كان يمر في دراسته الفقهية على المستحبات وأمثالها مرور الكرام كما نقل شمس الدين عن السيد الخوئي قوله: لا يجب على الفقيه تبيين المستحبات والمكروهات والمباحات و....».

هذا النقل من الكاتب بهذا الشكل يوحي بأمرين:

الأمر الأول: أن السيد الخوئي متساهل جدا وإلى أبعد الحدود في المباحات والمكروهات والمستحبات وكأنه عندما تأتيه مسألة تتعلق بهذه الأنحاء الثلاثة فإنه لا يدقق ولا يحقق بل يتعاطى معها تعاطي المعدوم من أحكام الله.

الأمر الثاني: أن السيد الخوئي كان يتحدث تحديدا من خلال هذا النقل عن نفسه وشخصه ورأيه المعين الخاص بخصوص أن الفقيه ليس ملزما بتبيان المستحب والمكروه والمباح والحال أن السيد كان كلامه عاما وهذا الكلام العام يفهم منه خلاف الذي فهمه الكاتب عباس الموسى ذلك أن هذا الكلام المنسوب للسيد الخوئي يحتاج لفهمه معرفة السياق المرتبط به وإلا فإنه وبالصورة التي نقلها شمس الدين عنه يكون قابلا لأفهام عدة وليس لفهم واحد حصرا وبالتالي إننا نأخذ على الموسى إغفاله لنقل سياق الاستشهاد بكلام السيد الخوئي من قبل الشيخ محمد مهدي شمس الدين ثم إن السيد الخوئي لم يصرح في شأن تساهله المزعوم في المستحبات والمكروهات والمباحات وإنما كان كلامه مطلقا وعاما وظاهرا والظاهر حجة كما تقول يا كاتبنا العزيز أليس كذلك؟! إذن ففهم الكاتب الموسى يرجع إليه ويكون ملزما له هو وليس لغيره.

إننا عندما راجعنا المصدر ونظرنا في سياق كلام السيد الخوئي قدس سره والفضاء الذي كان من خلاله الشيخ شمس الدين يستشهد بهذا الكلام نرى حقيقتين:

الحقيقة الأولى: أن السيد الخوئي عندما يقول: «الفقيه ليس واجبا عليه أن يبين المستحب والمكروه والمباح...» انتهى نقل الشيخ شمس الدين في كتابه «الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي» ص 153 فهو يتحدث بصورة عامة عن مهام الفقيه وربما كان يتحدث عنها في مرحلة ما أو حقبة ما من المراحل التطورية للفقه الإسلامي فكلامه عام والذي يلحظه المتأمل المتروي أنه رحمه الله في هذا النقل عنه لم يأت من قريب أو بعيد للحديث عن نفسه بخصوص أنه متساهل أو لا في هذه الأنحاء الثلاثة: المستحبات والمباحات والمكروهات.

الحقيقة الثانية: أن كلام السيد الخوئي وسياقه لم يكن في خصوص موارد إعمال قاعدة «التسامح» من عدمها وإنما كان في سياق بيان سعة أو ضيق مهام المرجعية ومسؤوليتها في المجتمع الإسلامي ولذلك يعلق الشيخ شمس الدين بعد نقله لكلام السيد الخوئي بكلام معارض له بلحاظ الجهة التي قلناها يقول الشيخ محمد مهدي شمس الدين:

«نحن نرى أنه ليس صحيحا من الناحية الفقهية أمور الحلال والحرام والصحة والبطلان تضاف إليها المرجعية في المفاهيم تضاف إليها الدعوة هذه هي مهمات المرجعية» الاجتهاد والتجديد ص 153

إذن السياق هو مهمات المرجعية وليس رأي السيد الخوئي الخاص في قاعدة «التسامح» أو تساهله في أمر المستحب والمكروه والمباح.

استكمال سرد الأمور في الوقفة الكلية:

الأمر الثاني:أخذ الكاتب يردد بعض القواعد الأصولية بنحو إطلاقي دون تخصيص ومن هذه القواعد هذه القاعدة «ظواهر الكتاب حجة» وأخذ يشنع على بعض المعاني الاعتقادية المستقاة من بعض الأدعية والزيارات تبعا لهذه القاعدة.

نقول: هذه القاعدة لا يعمل بها على نحو الإطلاق ذلك أنه كان ظاهر القرآن مخالف للعقل أو كان هذا الظاهر محفوفا بقرينة وجب صرف هذا الظاهر إلى معنى يناسبه وهذا ما صرح به الشيخ محمد رضا المظفر إذ يقول:

«لا يقصدون أيضا بالعمل بالمحكم من آياته جواز التسرع بالعمل به من دون فحص كامل عن كل ما يصلح لصرفه عن الظهور في الكتاب والسنة» 4 وعندما يقول يقصدون فإنه قدس الله نفسه الزكية يعني القائلين بحجية الظواهر.

إننا نلاحظ من هذا الكلمة أن هناك موازين توجب صرف الظاهر وهذه الموازين لا بد من مراعاتها والعناية بها وبالتالي لا يجوز التشنيع والتهجم ومحاكمة النوايا على من يتبنى المعاني والمضامين الاعتقادية الواردة في الأدعية والزيارات بحجة مخالفتها لظاهر القرآن لأن التمسك بظاهر القرآن مطلقا يجر إلى شبهات ومنزلقات عقدية خطيرة نبين منها منزلقين:

1- منزلق التجسيم:

قال الله تعالى: ﴿ وكان الله سميعا بصيرا ﴾ 5 بحسب ظاهر الآية يستفاد أن لله أعضاء حسية جسمية.

2- منزلق عدمية عصمة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله:

قال تعالى: ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ 6 ظاهر الآية الرسول الأعظم مرتكب للذنوب وغير معصوم.

الأمر الثالث: هل كل رواية متعلقة بفضيلة لأهل البيت عليهم السلام موجودة في كتب السنة نأخذ بها أولا نأخذ؟

نقول هناك جانبان لا بد من توضيحهما في المقام:

الجانب الأول: هناك ملاكان للأخذ بهذه المرويات من عدمه:

الملاك الأول: موافقة هذه الروايات للكتاب والسنة المعصومية القطعية فإن كان موافقا أخذنا به وإن لم يكن موافقا لا نأخذ به قال الإمام الصادق عليه السلام: «كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» 7.

الملاك الثاني: إن القطع يحصل لنا بمرويات الفضائل الواردة في كتب العامة مرهون بوثاقة رجال سندها وصدقهم في تلك الرواية وإن لم يكونوا ثقاة في أنفسهم وذلك لأن من جملة ما تعرف به وثاقة الرجل وصدقه في روايته التي يرويها:

عدم اغتراره بالجاه والمال وعدم مبالاته في سبيلها بالخطر الواقع عليه فإن غير الصادق لا يتحمل المضار بأنواعها لأجل كذبة يكذبها لا يعود عليه فيها نفع وقد أشار إلى هذا الحجة الشيخ محمد حسن المظفر في كتابه «دلائل الصدق» 8.

الجانب الثاني:

إن الرواة السنة إذا كانوا ثقاة يؤخذ عنهم وهذا ما نص عليه بعض علماء الإمامية كالمرجع المعظم آية الله علي الفاني الأصفهاني رحمه الله إذ قال عند حديثه عن مراتب التوثيق ما نصه:

«هي كثيرة جدا بتكثر الألفاظ الواردة إلا أننا سنذكر أربعا منها ويمكن إرجاع أغلب ما فيه دلالة على الوثاقة إليها. الأولى - ما دل على الوثاقة تصريحا كقولهم في الراوي «ثقة» أو مأمون أو ثقة ثقة مكررا أو صدوق. ولا ريب في ثبوت الوثاقة بالمعنى المبحوث عنه بهذه الألفاظ لظهورها بل صراحتها فيها بل نقل عن بعض دعوى إرادة العدل الامامي منها في مصطلح أرباب الرجال فلفظ صدوق مثلا من صيغ المبالغة في الصدق فكيف يقال ان لها معنى آخر تحتمله. ثم إنه لو سلم ذلك فإنما يصار إليه مع القرينة الصارفة عن المعنى الظاهر أو الصريح - ان قلت إن الوثاقة والأمانة وكما يحتمل عودهما إلى النقل واللسان يحتمل عود الأول إلى الوثاقة في الاعتقاد وكونه إماميا ثبتا وعود الثاني إلى الأمانة بمعنى انسجام أحاديثه مع ما يترقب صدوره من قبل الأئمة الأطهار. قلنا إن هذا الاحتمال هاهنا غير وارد إذ لا رباب الرجال لنعت صحيح العقيدة بالثقة وان صح بلحظات بل المتتبع في كلماتهم يرى أنهم استعملوها في كل مورد كانت الوثاقة ثابتة بالمعنى المطلوب إثباته. وإما إطلاق الأمانة على ما ذكر فبعيد جدا لعدم تعارف إطلاق اللفظ على ذلك ولظهورها في الدقة في النقل أن يكن بالمزيد منها ولان أرباب الرجال لم يطلعوا على كل روايات الرواة وفي جميع الأصول الأربعمائة لعسر ذلك كما لا يخفى. ومعه كيف يمكن دعوى أن المراد من الأمانة انسجام أحاديثه مع ما يترقب صدوره ولو لكونه منسجما مع الخطوط العامة للتشيع. - ان قلت إن ظهور الوثاقة بالمعنى المطلوب كما هو المدعى يتنافى مع زيادة أرباب الرجال في عدة موارد لقيد «في الحديث» أو «فيما يرويه» على توثيقه مما يدل على أعمية لفظ «ثقة» من المطلوب وغيره. قلنا إنه لما كان من أهم مطالب الرجاليين معرفة الثقات من غيرهم وكانت العبارة ظاهرة جدا فيما نريد بعد إرادة معنى آخر إلا مع قرينة تحدد ذلك وأما زيادة قيد «في الحديث» وما شاكل فهو من باب زيادة التوضيح والتفسير ولد ورد «ثقة ثقة» مكرره ولعل الدافع إلهي أيضا كون المقول فيه ذلك من العامة مما قد يتوهم معه المنافاة مع الصدق والأمانة فيؤتى بهذه القيود تنبيها واستداركا. كما هو الحال في العديد من العامة الذين ورد فيهم التوثيق. ففي ترجمة أحمد بن بشر يذكر النجاشي ثقة في الحديث واقفي المذهب . وفي ترجمة أحمد بن الحسين كان فطحيا غير أنه ثقة في الحديث . وفي ترجمة الحسن بن أحمد بن المغيرة.. كان عراقيا مضطرب المذهب وكان ثقة فيما يرويه» 9.

بعد بيان هذه الأمور نقول: إن الكاتب المحترم حفظه الله ورعاه قد جرح في الآخذين برواية مصدرها عامي متعلقة بفضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام وسيأتي الكلام حولها وهاجم المعنى الذي يستفيدونه من هذه الرواية معللا ذلك بالقول:

«والأهم أن هذه الرواية شكلت ثقافة عامة في الوسط الشيعي هذه الثقافة تشير إلى أن الشيعي مهما عمل من أعمال فإن ذلك لا يضره فليكذب وليغتاب وليزني وليشرب الخمر وليسرق و.....و على القارئ الإكمال.

وقد واجهنا هذا الصنف من الشيعة في حياتنا والتي تعشش فيهم هذه الفكرة فمن أين جاءت هذه الفكرة؟

من هذه الرواية التي يتفرد أبناء العامة بنقلها ولا توجد في مصادرنا!».

إذن الكاتب يريد عن عمد أو غير عمد أن يوحي للقاريء العزيز أن كل رواية في فضائل أهل البيت عليهم السلام مصدرها عامي هي مرفوضة ومشطوبة وغير مقبولة البتة وهذا غير مسلم به عند علماء الإمامية أدام الله بركاتهم.

الأمر الرابع: لا يوجد كتاب صحيح عند الإمامية مطلقا سوى كتاب الله فإنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبالتالي فإن كل كتاب قابل للنقد والمناقشة والتدقيق والبحث والتمحيص والتتبع فلا يحتج علينا بعد هذا بصحة أي كتاب على نحو الإطلاق سوى كتاب الله.

الوقفة الجزئية:

هذه الوقفة ستعنى بمناقشة بعض المغالطات الواردة في كلمات الكاتب عباس الموسى رعاه الله والتي للأسف قد احتوت على اتهامات شنيعة وعظيمة الوقع وهذا خلاف الأدب والمناقشة مع الآخر أي آخر وهذه المناقشة تسعى لتوضيح بعض الأمور التي يمكن قد غابت عن ذهن الموسى:

الأمر الأول: ادعاء الكاتب أن الشيعة يأخذون عقائدهم المصادمة للقرآن من رواية مصدرها عامي سني واستشهد بكلام للشيخ المفيد قال الكاتب: «نص الحديث: روي عَنِ النَّبِيِّ أنه قَالَ: حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَسَنَةٌ لَا تَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ وَبُغْضُهُ سَيِّئَةٌ لَا تَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَة»

وبعد أن بين مصادرها العامية والمصادر الشيعية الناقلة عن مصادر العامة هذه الرواية قال: هذه المصادر الرئيسية وكل من نقل هذه الرواية من الشيعة نقلها عن أحد هذه المصادر، ولقد سطر المرعشي النجفي هذه المصادر في كتابه شرح إحقاق الحق ج 7 - ص 257 - 260.

ولولا مخافة الإطالة لأوضحنا كل المصادر تحت كل راوٍ وإذا استلزم ذلك سننشر البحث حول هذه الرواية.

والأهم أن هذه الرواية شكلت ثقافة عامة في الوسط الشيعي هذه الثقافة تشير إلى أن الشيعي مهما عمل من أعمال فإن ذلك لا يضره فليكذب وليغتاب وليزني وليشرب الخمر وليسرق و.....و على القارئ الإكمال.

وقد واجهنا هذا الصنف من الشيعة في حياتنا والتي تعشش فيهم هذه الفكرة فمن أين جاءت هذه الفكرة؟

من هذه الرواية التي يتفرد أبناء العامة بنقلها ولا توجد في مصادرنا!

من قاعدة التسامح التي فتحت لنا الباب لتقبل مثل هذه الروايات ومن أي مصدر!

مع وضوح أن هذه الرواية تصطدم مع القرآن بقوة وللإشارة البسيطة والمختصرة نذكر بعض الآيات المخالفة لهذه الرواية غير الشيعية:

﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ • وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾، ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا ﴾، ﴿ وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾، ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾.. وكثير من الآيات التي لا مجال لذكرها.

وفي إشارة إلى هذا الحديث والذريعة المستخدمة له ولنقله كما يقول الشيخ المفيد أن هذا الحديث مما تبحث فيه المرجئة لتمرر أفكارها ومعتقداتها على الناس حيث قال: لقد أجاد فيما أفاد - أشارة لكلام العلامة الزنجاني - إلا أن موارد الاستفادة من هذا البحث لا تنحصر في آيات الوعيد في مقابل الوعيدية، بل يبحث أيضا عن آيات تتمسك بها المرجئة على عدم أهمية العمل أو قلتها كقوله «تعالى» إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا وقوله حب علي حسنة لا تضر معها سيئة والرواية المتفق عليها من أن من قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة وغير ذلك من العمومات التي تتمسك بها الفرق الضالة لإثبات مرامها، أو تجيب عن أدلة الإمامية بمبانيها التي اتخذتها في مسألة العموم والخصوص».

الرد: أولا: هذه الرواية موافقة لمضمون روايات أهل البيت عليهم السلام وهذا ما قلنا به من لزوم موافقة روايات العامة المتعلقة بفضائل أهل البيت لمضمون السنة المعصومية وبالتالي لا غضاضة في أخذها ومن تلكم الروايات في كتبنا:

1-«قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني جبرئيل عليه السلام وهو فرح مستبشر، فقلت له: حبيبي جبرئيل مع ما أنت فيه من الفرح! ما منزلة أخي وابن عمي علي بن أبي طالب عند ربه؟ فقال جبرئيل: يا محمد والذي بعثك بالنبوة واصطفاك بالرسالة ما هبطت في وقتي هذا إلا لهذا، يا محمد العلي - الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول: محمد نبي رحمتي، وعلي مقيم حجتي، لا أعذب من والاه وإن عصاني، ولا أرحم من عاداه وإن أطاعني.» 10

2- «: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رزقه الله حب الأئمة من أهل بيتي فقد أصاب خير الدنيا والآخرة، فلا يشكن أحد أنه في الجنة فإن في حب أهل بيتي عشرين خصلة، عشر منها في الدنيا، وعشر في الآخرة» 11.

فمضمون الرواية العامية متوافق مع مضمون روايات الفضائل والمقامات الموجودة في كتبنا وهذا ما غاب عن ذهن الكاتب.

ثانيا: هناك مصطلحان في علم الكلام وهما «التكفير» و«الإحباط» يقول العلامة المجلسي رحمه الله:

«ا علم أن الإحباط في عرف المتكلمين عبارة عن إبطال الحسنة بعدم ترتب ما يتوقع منها عليها، ويقابله التكفير وهو إسقاط السيئة بعدم جريان مقتضاها عليها فهو في المعصية نقيض الإحباط في الطاعة والحبط والتكفير وإطلاقهما بهذين اللفظين ربما يساوقهما كثير من الآيات والاخبار» 12 وفي هذه العجالة سنقتصر على مصطلح «التكفير»إن مصطلح «التكفير» يعني: الأعمال الحسنة التي إذا صدرت بصورتها الصحيحة فإنها تمحو آثار الأعمال السيئة وتكفرها وهذا المصطلح هو مصطلح قرآني يمكن استفادته من آيتين على سبيل المثال:

الآية الأولى: ﴿ ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ﴾ 13

الآية الثانية: ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ﴾ 14

وحب علي هو الحسنة الكبرى والعظمى التي لا تضر معها سيئة بمعنى دخول الجنة كخاتمة للشيعة صدقا وحقا وهذه الخاتمة تكون بمثابة نهاية مسيرة ذلك أن الشيعي إذا ارتكب بعض الأعمال السيئة المحرمة فإنه يعاقب عليها ويعذب بها وهنا نرى أنه من اللطيف أن نستشهد بكلمتين لاثنين من أعلام الطائفة حول هذه القضية العقدية

الكلمة الأولى: للإمام الخميني عطر الله مرقده في كتابه «الأربعون حديثا» حيث قال ما نصه معلقا على حديث «حب علي حسنة لا يضر معها سيئة وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة التالي:

«هذا الحديث الشريف من قبيل الأحاديث المذكورة التي وردت في الإيمان ومعناه إما ما ذكره المرحوم المجلسي في تلك الأخبار من أن المقصود من الضرر المنفي هو الخلود في النار أو الدخول فيها فيكون المعنى أن حب علي عليه السلام الذي هو أساس الإيمان وإكماله وإتمامه يوجب بواسطة شفاعة الشافعين التخلص من النار وعليه كما قلنا لا يتنافى هذا الاحتمال مع ألوان العذاب في عالم البرزخ وقد ورد في ذلك عن الصادق عليه السلام «والله ما أخاف عليكم إلا البرزخ فأما إذا صار الأمر إلينا فنحن أولى بكم» أو ما ذكرناه من أن حب الإمام علي عليه السلام يبعث على نور وإيمان يجنبان صاحبهما عن الآثام ويدفعانه إلى التوبة والإنابة إذا ابتلي بالمعصية من دون أن يفسح المجال أمامه للتمادي في الغي والعصيان» الأربعون حديثا ص 510.

الكلمة الثانية: لآية الله العظمى السيد محمد صادق الروحاني دامت بركاته مجاوبا عن استفتاء قد ورد إليه حيث يقول في الجواب:

سؤال:هل جميع الشيعة يدخلون الجنة مهما كانت المعاصي الذي يرتكبها وبدون عذاب...

«جواب:بسمه جلّت أسماؤه

جملة من المعاصي توجب دخول النار، ولكن هناك شفاعة من النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والعلماء، وهي قسمان:

قسم يوجب عدم دخول النار.
وقسم يوجب الخروج منها بعد ما يعذب مدة.

وعلى التقديرين يدخلون الجنة ولو بعد مدة.» راجع موقعه قسم العقائد

إذن فكلام علمائنا واضح تمام الوضوح من أن الشيعي إذا ارتكب سيئة يعاقب عليها ويعذب ولكن خاتمته الجنة بلحاظ الولاية فافهم واغتنم يا كاتبنا المحترم وفقك الله ورعاك.

ومن جهة أخرى إننا عندما نقول حب علي هو الحسنة الكبرى فبلحاظ الولاية له من قبل الله والتي هي امتداد لولاية رسول الله وهذا ما ورد حتى في كتب العامة فضلا عن الخاصة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «فإن العبد لا ينال ولا يتي إلا بحبك لعلي» 15

ثالثا: إذا عرفنا هذا وعلمناه عرفنا عدم تعارض هذا المعنى مع آيات الكتاب العزيز التي ساقها الكاتب الموسى رعاه الله.

تدليس هو أم اشتباه؟!:

رابعا: لا أدري أهناك تدليس حاصل من قبل الكاتب عباس الموسى أو اشتباه؟! فقد نقل كلاما للشيخ المفيد يوحي للقاريء بأنه يؤيد رأيه وعند تدقيقنا للعبارة المنسوبة للشيخ المفيد ورجوعنا إلى الكلام المستشهد به رأيناه أنه ليس للشيخ المفيد ولكن للعلامة الشيخ فضل الله الشهير بشيخ الإسلام الزنجاني معلقا على كلام الشيخ المفيد ص335 من هذه الطبعة المحققة وهذا في طبعة محققة لكتاب «أوائل المقالات» ومذيلة بتعليقات للشيخ فضل الله الزنجاني ولا نعلم أهذا اشتباه من الكاتب عن سهو وخطأ أم هو تلبيس متعمد؟!!

نعم العبارة الأصلية للشيخ المفيد هي الآتي:

«65- القول في العموم والخصوص وأقول: إن لأخص الخصوص صورة في اللسان وليس لأخص العموم ولا لأعمه صيغة في اللغة، وإنما يعرف المراد منه بما يقترن إليه من الأمارات، وهذا مذهب جمهور الراجية وكافة متكلمي الإمامية إلا من شذ عنها ووافق الراجية أهل الاعتزال» 16.

خامسا:هل من الممكن للكاتب الموسى حفظه الله أن يورد لنا اسم عالم واحد قد أخذ بمضمون هذه الرواية العامية بحجة قاعدة «التسامح في أدلة السنن»؟! أم هو ادعاء مجرد ليس إلا؟!! وهل هناك من علماء الإمامية من وجه نداء لعامة الشيعة يوجههم فيه لارتكاب المعاصي واقتراف الآثام لأن الله سيغفر له من دون عقاب؟! هنا نحن نسأل هل المطلوب يا كاتبنا العزيز بحثا علميا رصينا أم مجرد اتهامات ومغالطات ليس عليها دليل أو برهان؟!

الأمر الثاني:ادعاء الكاتب أن الوسط الشيعي السائد فيه هو البدع والخرافات وأن هناك أدعية تنسب لأهل البيت تحوي سموما وافتراءات ومن هنا ولج إلى كتب الأدعية والزيارات عند الشيعة وأخذ بالطعن فيها مستشهدا بكلمتين الأولى للعلامة الأمين طاب ثراه والثانية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر رحمه الله وهنا نورد نص كلامه:

قال الكاتب: «الأولى: مفتاح الجنات للسيد محسن الأمين العاملي «1952م» حيث اعتقد السيد محسن الأمين بوجود تحريف وتصحيف في أكثر كتب الأدعية، بل ذهب إلى أن جملة من محتويات مفاتيح الجنان للقمي لا يكاد ينتفع به العربي وجملة أخرى غير معلوم سندها، علاوة على ما تعاوده من التصحيف والتحريف ولهذا أقدم على مشروع مفتاح الجنات.

ولكن الشيعة اليوم قد لا يخلو بيت من بيوتهم من هذا الكتاب الذي يوجه له السيد محسن الأمين هذا النقد، بل أن بعضهم يأخذ بكل ما فيه ويعتقد ويطبق ما جاء فيه كأنه قول مرجعه الفقهي هذا اليوم.

الثاني: والذي لم يجد النور حتى هذا اليوم محاولة الشهيد السيد محمد باقر الصدر لإصدار كتاب يغني عن كتاب مفاتيح الجنان حيث جاء في الرسالة الموجهة لتلميذه السيد محمد الغروي «... كان لدينا مشروع كلفنا به بعض تلامذتنا وهو كتاب تأسيسي في الأدعية، فإن تهيأ ذلك فهو لك وإلا فلا بد في نظري من إدخال تعديلات على المفاتيح -يعني مفاتيح الجنان- الموجودة، وكانت الفكرة في الكتاب التأسيسي تقوم على أساس جمع ما صح سنده من الأدعية والزيارات ويضاف إليها المشهور الصحيح المتن، وإن لم يكن صحيح السند، مع إجراء التهذيب بحذف بعض الجمل إذا اقتضى الأمر التهذيب والحذف».

الرد: بخصوص كتاب العلامة الأمين مفتاح الجنات إنه ليس بحوزتي ولذا لم يتيسر لي الرجوع له للتأكد من كلامه حتى لا نقع في مطب كلام الشيخ المفيد المنسوب إليه وحتى إذا ثبت كلامه تنزلا فإنه رأي مجتهد في قبال آراء أخرى خاصة أننا قد بينا أنه لا يوجد كتاب صحيح عند الإمامية وعليه فمحاولات التمحيص والتدقيق متاحة للجميع بشرطها وشروطها وأما رسالة الشهيد الصدر رحمه الله فإنها لا تدل على مطلوب الكاتب الموسى بخصوص احتواء كتب الأدعية والزيارات على سموم وافتراءات نعم غاية ما تدل عليه هو حث وإرشاد الشهيد الصدر إلى كتاب تأسيسي أو إجراء بعض التعديلات على كتاب مفاتيح الجنان مع وضوح عدم طعن الشهيد الصدر في الكتاب أو تحقيره أو الحط من قدره هذا من جهة ومن جهة أخرى لقد نقلت زوجة الشهيد الصدر رحمه الله عن زوجها رأيه المتضمن صحة جميع ما ورد في كتاب الشيخ عباس القمي «مفاتيح الجنان» 17 فمن نصدقه أنت أم زوجة السيد الشهيد محمد باقر الصدر أعلى الله في الخلد مقامه؟!

الأمر الثالث: إدراج نماذج مما يصفه الكاتب الموسى من أنه سموما في الفكر والعقيدة ومناقشتها:

النموذج الأول:

قال الكاتب: «وهنا نقف وقفة بسيطة مع بعض الأدعية والزيارات:

1- دعاء يدعى به في كل يوم من أيام رجب: اللهم! إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك المأمونون على سرك المستبشرون بأمرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك، أسألك بما نطق فيهم من مشيتك فجعلتهم معادن لكلماتك وأركانا لتوحيدك وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان، يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك فتقها ورتقها بيدك، بدؤها منك وعودها إليك أعضاد وأشهاد ومناة وأذواد وحفظة ورواد، فبهم ملأت سماءك وأرضك حتى ظهر أن لا إله إلا أنت، فبذلك أسألك وبمواقع العز من رحمتك وبمقاماتك وعلاماتك أن تصلي على محمد وآله وأن تزيدني إيمانا وتثبيتا، يا باطنا في ظهوره وظاهرا في بطونه ومكنونه! يا مفرقا بين النور والديجور! يا موصوفا بغير كنه ومعروفا بغير شبه حاد كل محدود وشاهد كل مشهود وموجد كل موجود ومحصي كل معدود وفاقد كل مفقود! ليس دونك من معبود، أهل الكبرياء والجود! يا من لا يكيف بكيف ولا يؤين بأين، يا محتجبا عن كل عين، يا ديموم يا قيوم وعالم كل معلوم! صل على عبادك المنتجبين وبشرك المحتجبين وملائكتك المقربين وبهم الصافين الحافين وبارك لنا في شهرنا هذا المرجب المكرم...

يقول الشيخ محمد تقي التستري في كتابه الأخبار الدخيلة أن هذا الدعاء موضوع والذي يدل على وضعه كما يقول التستري أمور نعدد بعضها:

• قوله: «التي لا تعطيل لها في كل مكان» هذا الموصول واقع على أي شيء هل على «ولاة أمرك» مثل «المأمونون - إلى - المعلنون» فلا يستقيم اللفظ بل والمعنى أيضاً، أو على «وآياتك ومقاماتك» فلا يستقيم المعنى بل واللفظ أيضاً.

• قوله «لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك وخلقك» فإنه يقتضي تساوي الملائكة - فهم المرادون من قوله «وآياتك» وإن كان اللفظ قاصراً عنه، لأن الملائكة لم يكونوا مقاماته تعالى بل يكون لكل منهم مقام منه تعالى، قال تعالى حاكياً عنهم «وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ» مع الله تعالى في جميع صفاته تعالى غير عنوان الخالقية والمخلوقية، فيكون نظير أن يقال: فلان كالسلطان غير أنه ليس له سلطنة أي أنه مثله في كمالاته سوى سلطنته وهو كفر محض.

• قوله «وفاقد كل مفقود» فإن معناه أنه تعالى لم يجد ما فقده، وهو كفر فإن معنى «فقد الشيء» ذلك، قال تعالى: ? قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ ? ولو كان بلفظ «وواجد كل مفقود» كان له معنى مناسباً.

هذه بعض ملاحظات التستري على هذا الدعاء مع أن هذا الدعاء كما يقول التستري ضعيف الخبر بابن عياش، حيث قال النجاشي: سمعت منه شيئاً كثيراً ورأيت شيوخنا يضعفونه فلم أرو عنه وتجنبته مع أن خبير بن عبدالله الذي روى عنه ابن عياش، عن محمد بن عثمان ليس له اسم في الرجال».

الرد: 1- إن الكاتب للأسف لم يكن منصفا في هذه الناحية ولم يكن موضوعيا وإلا لأتى بوجهة النظر المخالفة لرأي الشيخ التستري رحمه الله هذا من جهة ومن جهة أخرى نحن نسأل: هل الشيخ التستري عندما قال بأن هذا الدعاء دخيل هل استدل على ذلك باستغلال نظرائه من العلماء والفقهاء قاعدة «التسامح في أدلة السنن» كما فعلت أنت يا كاتبنا العزيز أم هو محض ابتكار لك لوحدك؟!

2- لقد اختلف كثير من علمائنا مع رأي الشيخ التستري رحمه الله ومنهم السيد العلامة محمد حسين الطهراني رحمه الله وهو من مبرزي تلامذة السيد العلامة محمد حسين الطباطبائي طيب الله رمسه وعطر تربته إذ يقول ردا على الشيخ العلامة التستري رحمه الله الآتي:

«أقول‌: لقد وقع‌ الإشكال‌ والخطأ في‌ كلّ واحدة‌ من‌ إشكالات‌ واعتراضات‌ صاحب‌ الكتاب‌، ويتبيّن‌ بوضوح‌ ممّا سنذكره‌ هنا أنّ الفقرة‌ الاُولى حتّى‌ الفقرة‌ السابعة‌** ليست‌ إلاّ عنواناً وإيراداً للأخطاء وعرضاً للاءشكالات‌ بطريقة‌ فنيّة‌ ؛ ولا تتجاوز تلك‌ الإشكالات‌ عن‌ كونها كتلة‌ من‌ الثلج‌ الهشّ.

وأمّا الاشكال‌ الثاني‌ وهو: إلي‌ من‌ يعود اسم‌ الموصول‌ في‌ الَّتِي‌ لاَ تَعْطِيلَ لَهَا فِي‌ كُلِّ مَكَانٍ، وأ نّها لا تستقيم‌ لا من‌ حيث‌ اللفظ‌ ولا المعني‌.

فنردّ علي‌ ذلك‌ بقولنا: إنّ التردّد بين‌ هذين‌ الوجهين‌ والشكّ بهما لا وجه‌ له‌ ؛ لانّ كلّ عارف‌ بأُسلوب‌ الكلام‌ يعلم‌ أنّ نسبة‌ ذلك‌ إلي‌ وُلاَةُ أَمْرِكَ غير صحيحة‌، فيتعيّن‌ إذاً نسبتها إمّا إلي‌ آيَاتِكَ وَمَقَامَاتِكَ ؛ أو أنّها تخصّ مَقَامَاتِكَ. ومعلوم‌ أنّ آيَاتِكَ معطوفة‌ علي‌ أَرْكَاناً وهي‌ في‌ الحقيقة‌ مفعول‌ ثانٍ لـ جَعَلْتَهُمْ ؛ وكذلك‌ الحال‌ مع‌ مَقَامَاتِكَ.

وعلي‌ هذا، يكون‌ محصّل‌ المعني‌: اللهمّ! إنّك‌ قد جعلت‌ الملائكة‌ آياتٍ ودلائلَ! وقدّرت‌ وعيّنت‌ مقاماتك‌ التي‌ لا تعطيل‌ لها في‌ كلّ مكان‌ ومحلّ! بحيث‌ لو أراد أحدهم‌ معرفتك‌ في‌ أي‌ّ مكان‌ أو محلّ، فإنّه‌ سيعرفك‌ من‌ خلال‌ هذه‌ الموجودات‌ الملكوتيّة‌ الطاهرة‌!

وهذا المعني‌ سهل‌ وبسيط‌ وواضح‌ جدّاً ؛ ولم‌ نلاحظ‌ عدم‌ استقامتها من‌ جهة‌ المعني‌، فكيف‌ تبيّن‌ عدم‌ استقامتها من‌ جهة‌ اللفظ‌؟

وأما رد السيد العلامة على الإشكال الثاني الذي أورده الموسى فهو كالآتي:

وأمّا الاشكال‌ الثالث‌ «الذي‌ يقول‌ فيه‌»: إنّ ذلك‌ يستلزم‌ تساوي‌ الملائكة‌ مع‌ الله‌، ووصفه‌ بأ نّه‌ كفر محض‌، وأ نّه‌ من‌ أهمّ الإشكالات‌ ؛ حيث‌ ورد في‌ الدعاء المذكور عبارة‌: لاَ فَرْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا إلاَّ أَ نَّهُمْ عِبَادُكَ وَخَلْقُكَ.

فنقول‌ في‌ جوابنا: ليس‌ لأي‌ّ موجود من‌ الموجودات‌ حتى‌ الذرّات‌، وليس‌ فقط‌ الملائكة‌، استقلاليّة‌ ؛ لا في‌ الذات‌ ولا في‌ الصفات‌ ولا في‌ الأفعال‌. فجميعها آيات‌ الحقّ وعلاماته‌ ودلائله‌ ومرايا ذاته‌ المقدّسة‌ ومجالاتها. وليس‌ لها وجود أو أثر أو فعل‌ من‌ نفسها ولو قدر رأس‌ دبّوس‌ ؛ بل‌ إنّ نور الحقّ متجلٍّ فيها ولا شي‌ء غير ذلك‌. وكلٌّ منها مستفيض‌ من‌ ذلك‌ بقدر سعته‌ الماهويّة‌ واستيعابه‌ الوجودي‌ّ، وهي‌ ظاهرة‌ بظهور الحقّ.

أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا.

وليس‌ لأي‌ّ من‌ المخلوقات‌ من‌ أوّل‌ نور للحقّ، وهو أوّل‌ ما خلق‌، إلي‌ آخر موجود من‌ عالم‌ الكثرة‌ والطبع‌، وهو الهيولي‌ الأولية‌ والمادّة‌ المبهمة‌، أي‌ّ وجود أو كينونة‌ من‌ نفسها ولو قدر ذرّة‌ ؛ فالكلّ هو الحقّ وتجلّيه‌.

ولا يدلّ ذلك‌ علي‌ معني‌ التساوي‌، بل‌ يدلّ علي‌ تقارن‌ الآية‌ وذي‌ الآية‌، والمرآة‌ وصاحب‌ الصورة‌، والمُجلّي‌ والمُتجلّي‌، والمجاز والحقيقة‌.

فلو نظرنا إلي‌ الشمس‌ الساطعة‌ المنعكسة‌ علي‌ سطح‌ الماء الصافي‌ والراكد، أو علي‌ المرآة‌ الشفّافة‌ والمصقولة‌ وقلنا أن‌: لا فرق‌ أبداً بين‌ الشمس‌ الساطعة‌ والصورة‌ الواقعة‌ في‌ هذا المنظر، فهل‌ يعني‌ ذلك‌ معني‌ التساوي‌!؟

إنّ معني‌ ذلك‌ هو الآيتيّة‌ والمرآتيّة‌ ؛ لا سلب‌ صفة‌ من‌ ذات‌ الحقّ وإسنادها إلي‌ الموجودات‌، وكيف‌ يُشتبه‌ في‌ تصوّر هذين‌ المعنيينِ في‌ حين‌ أنّ الفرق‌ بينهما شاسع‌ جدّاً؟

وَفـي‌ كُـلِّ شَـي‌ءٍ لَـهُ آيَـةٌ تَـدُلُّ عَـلَـي‌ أَ نَّـهُ وَاحِــدُ

إنّ آي‌ القرآن‌ الكريم‌ والتي‌ تعتبر كلّ موجود آية‌، كلّها تُشير إلي‌ هذه‌ الحقيقة‌ ؛ وهناك‌ أدعية‌ كثيرة‌ لا تُحصي‌ من‌ هذا القبيل‌، ومن‌ جملتها الدعاء الشريف‌ المسمّي‌ بـ « السمات‌ » حيث‌ نُحلّف‌ فيه‌ الله‌ بأسمائه‌ ونتوسّل‌ بالله‌ بهذه‌ الأسماء ؛ وكذا التوسّل‌ بالأنبياء والائمّة‌ الطاهرين‌.

فلسنا قائلين‌ باستقلاليّتهم‌ ولو مقدار ذرّة‌، وإن‌ كان‌ ذلك‌ من‌ باب‌ الشفاعة‌، ونتوسّل‌ بهم‌ من‌ هذه‌ الزاوية‌ ؛ فهذا غلط‌ وذاك‌ صحيح‌، وهذا شرك‌ وذاك‌ توحيد.

نعم‌، إنّ هذه‌ المسألة‌ لم‌ تتوضّح‌ بعد لكثير من‌ غير المتعمّقين‌ في‌ بحوث‌ التوحيد والحكمة‌ الاءلهيّة‌ ؛ ولذا فإنّهم‌ يحتارون‌ حين‌ يصادفون‌ جملاً كهذه‌ تمثّل‌ حقيقة‌ التوحيد المحضة‌، فيعمدون‌ فوراً، كما هو الحال‌ مع‌ الضعفاء إلي‌ التكفير مستندين‌ إلي‌ مستواهم‌ الفكري‌ّ والعلمي‌ّ، وإن‌ كانوا بعيدين‌ كلّ البعد عن‌ البحوث‌ العقليّة‌، وينعتونها بالكفر المحض‌.

وغافلون‌ كذلك‌ عن‌ أ نّهم‌ كانوا يتلون‌ هذه‌ الأدعية‌، ولا زالوا، من‌ أساطين‌ المذهب‌ ؛ واعتبار هذه‌ العبارات‌ كفراً يستلزم‌ تكفير رجالٍ من‌ أمثال‌ الشيخ‌ الطوسي‌ّ والشيخ‌ الكفعمي‌ّ والسيّد ابن‌ طاووس‌ والعلاّمة‌ المجلسي‌ّ الذين‌ أوردوا تلك‌ الأدعية‌ في‌ كتبهم‌ وأيّدوها.

ولو أ نّنا تجنّبنا الدخول‌ إلي‌ أي‌ّ علم‌ أو مسألة‌ لا تقع‌ ضمن‌ دائرة‌ اختصاصنا وأوكلناها إلي‌ أهلها، أو أرجعنا حقيقتها إلي‌ الراسخين‌ في‌ العلم‌ والائمّة‌ الأطهار كما يفعل‌ الكثير من‌ العلماء والأفاضل‌ لكان‌ ذلك‌ أفضل‌.

وأمّا لفظة‌ أَعْضَادٌ والتي‌ حسبها أعضاداً للّه‌ بمعني‌ « مساعدون‌ » و« أعوان‌ » ؛ واعتبروا ذلك‌ من‌ الكفر أيضاً.

أوّلاً: واضح‌ جدّاً أ نّه‌ ليس‌ المقصود بذلك‌ مساعدة‌ الله‌، وذلك‌ بقرينة‌ عطف‌ مُنَاةٌ وأَذْوَادٌ وحَفَظَةٌ ورُوَّادٌ ؛ بل‌ المقصود بذلك‌ المعنيّون‌ والموكّلون‌ في‌ عالم‌ الكثرة‌ والطبيعة‌ بتقدير وحفظ‌ وصيانة‌ أي‌ّ موجود، ممّا تخفيه‌ الأقدار، وبحفظ‌ الاءنسان‌ بالخصوص‌، من‌ الآلام‌ والآفات‌ والعاهات‌. ومعلوم‌ كذلك‌ أنّ كلّ صنف‌ من‌ الملائكة‌ موكّل‌ بمهمّة‌ خاصّة‌ لاءفاضة‌ الفيض‌ من‌ لدن‌ الله‌ علي‌ عالم‌ الكثرة‌، وهم‌ أسباب‌ الرحمة‌ الأزلية‌ وتقديرها، ونشرها في‌ عالم‌ الاءمكان‌. والواقع‌ أنّ هذه‌ العبارات‌ تبيّن‌ صفات‌ وأفعال‌ الملائكة‌ ومهامها وتوضّحها تماماً ؛ وكلّها تعتبر آية‌ ومرآة‌، وظهوراً ومظهراً للنور الظاهر للحقّ تعالي‌ وتقدّس‌.

﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ وبِالْقَوْلِ وَهُم‌ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾.

وثانياً: في‌ الآيات‌ التي‌ تُنسب‌ نصرة‌ الله‌ إلي‌ المؤمنين‌ ؛ من‌ مثل‌ الآية‌ الكريمة‌ التالية‌: ﴿ إِن‌ تَنصُرُوا اللَهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾.

أو نسبة‌ القرض‌ مثلاً إلي‌ ذاته‌ المقدّسة‌ ؛ كالآية‌: ﴿ مَن‌ ذَا الَّذِي‌ يُقْرِضُ اللَهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَـعِفَهُ ولَهُ ﴾

فإلي‌ أي‌ّ معني‌ تشير كلمة‌ النصرة‌ والاءقراض‌ وما شابههما في‌ هذه‌ الآيات‌ والآيات‌ الكثيرة‌ المشابهة‌ الاُخري‌. ألا تشيران‌ إلي‌ نفس‌ معني‌ أعضاد ومُناة‌؟

وختام الإشكالات التي أوردها الموسى نقلا عن العلامة التستري رحمه الله قد جاوب عنها السيد العلامة محمد حسين الطهراني بالتالي:

وأمّا الإشكال‌ الرابع‌: وهو إطلاق‌ عبارة‌: فَاقِدَ كُلِّ مَفْقُودٍ علي‌ الحقّ تعالي‌. وكلمة‌ فاقد تعني‌ الغائب‌ وغير الواجد مثل‌ قوله‌ تعالي‌: قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ، لانّ أصحاب‌ عزيز مصر قالوا لاءخوة‌ يوسف‌: نحن‌ نفقد صواع‌ الملك‌ ؛ وهذا المعني‌ لا يناسب‌ كذلك‌ ذات‌ الحقّ المقدّسة‌.

فنجيب‌ علي‌ ذلك‌ بقولنا: تعني‌ كلمة‌ فقدان‌ في‌ اللغة‌ العربيّة‌ العدم‌ ؛ وهي‌ تقابل‌ كلمة‌ وجدان‌ وهي‌ من‌ مادّة‌ وجود، وتعني‌ التحقّق‌ كذلك‌ ؛ وَجَدَهُ بمعني‌ أوجده‌، وهو من‌ باب‌ إفعال‌ ويأخذ مفعولين‌: أَوْجَدَهُ الشَّي‌ءَ بمعني‌ أوجد له‌ الشي‌ء. وكذا الحال‌ مع‌ مادّة‌ عَدِمَهُ وفَقَدَهُ، لانّ هاتين‌ المادّتين‌ لهما معني‌ واحد وهما مترادفتان‌.

عَدِمَهُ بمعني‌ أعدمه‌ وأفناه‌، وأَعْدَمَهُ الشَّي‌ءَ من‌ باب‌ إفعال‌، أفقده‌ إيّاه‌ وأفناه‌ ؛ وفَقَدَهُ بمعني‌ أعدمه‌، وأَفْقَدَهُ الشَّي‌ءَ أعدمه‌ إيّاه‌ ورفعه‌ عنه‌.

فَقَدَ وأَفْقَدَ، ثلاثي‌ّ مجرّد ومزيد فيه‌، وهما متعدّيان‌ ولكنّ الأول‌ متعدّ إلي‌ مفعول‌ واحد، والثاني‌ إلي‌ مفعولين‌ ؛ والحقيقة‌ أنّ الأول‌ يعني‌ سلب‌ الشي‌ء علي‌ نحو سلب‌ بسيط‌، والثاني‌ سلب‌ الشي‌ء عن‌ الشي‌ء علي‌ نحو مركّب‌.

فَقَدَهُ معناه‌ عدمه‌ ؛ مثل‌ عَدِمَهُ. وأَفْقَدَهُ الشَّي‌ءَ معناه‌ أعدمه‌ إيّاه‌ ؛ مثل‌ أَعْدَمَهُ الشَّي‌ءَ.

ولكنّ من‌ يعدم‌ شيئاً فإنّ ذلك‌ الشي‌ء يكون‌ غائباً عنه‌ بالطبع‌، ولذا فإنّ معني‌ الغيبة‌ في‌ هذه‌ الصورة‌ لازم‌ لمعني‌ العدم‌. وتُستخدم‌ فَقَدَ وعَدِمَ أحياناً في‌ لزوم‌ معني‌ الموضوع‌ له‌ ؛ مثل‌ الآية‌ المباركة‌ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ.

وبمراجعتنا لمعاجم‌ اللغة‌ تتبيّن‌ ل
2010-04-23 18:25:27
تقييم السؤال [0] طباعة ارسال الى صديق
بريد الألكتروني
رجاء ادخل الأرقام الظاهرة في الصورة هنا

تعليق على السؤال: أكتب سؤالك/تعليقك هنا

الأسئلة الجديدة

... » المزيد

© Copyright 2009-2012 All rights are reserved to {www.alsoal.com}