المنصوري
» شبهة لابن حزم أوردها لالزام الشيعة بخلافة الشيخين
1- يقول ابن حزم عن علي رضي الله عنه ـ ملزماً الشيعة ـ بأنه «بايع أبا بكر بعد ستة شهور تأخر فيها عن بيعته (وهذا) لا يخلو ضرره من أحد وجهين: إما أن يكون مصيباً في تأخره، فقد أخطأ إذ بايع. أو يكون مصيباً في بيعته، فقد أخطأ إذ تأخر عنها» !
1
الجواب عن هذا الكلام بعد ملاحظة عدة نقاط:
1- لو ان الامام علي عليه السلام يرى شرعية السقيفة وان فيها الصلاح والاصلاح للامة الاسلامية لما تاخر عنها, ولشارك فيها بل كان من اول الحاضرين فيها, الا اننا نرى ان الامام علي عليه السلام لم يذهب الى السقيفة بل ولم يقبل بنتائجها وهي استخلاف ابي بكر, فرفض مبايعته والاعتراف به خليفة وبقي على هذا الى اخر عمره.
2- المسالة الثانية ان عائشة في رواية البخاري ذكرت ما يلي:
" فوجدت فاطمة على ابي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم ستة اشهر, فلما توفيت فاطمة دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها ابا بكر وصلى عليها, وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة, فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس, فالتمس مصالحة ابي بكر ومبايعته, ولم يكن يبايع تلك الاشهر, فأرسل الى ابي بكر ان ائتنا ولا يأتنا معك احد كراهية لمحضر عمر".
2
قال القرطبي في المفهم :
" كلن الناس يحترمون عليا في حياتها لانها بضعة من رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو مباشر لها, فلما ماتت وهو لم يبايع ابا بكر انصرف الناس عن ذلك الاحترام ليدخل فيما يدخل فيه الناس ولا يفرق جماعتهم"
3.
فهذه الرواية توضح سبب مصالحة علي بن ابي طالب لابي بكر,
بل والاية تشهد بوضوح ان فاطمة عليها السلام لو لم تمت بعد ستة أشهر لبقي الامام علي عليه السلام رافضا لمنهج السقيفة ومباعدا له الى الاخر,
ولكن الذي اضطره الى المصالحة هو ان الصحابة والتابعين في ذلك العصر صرفت وجهها عن علي عليه السلام واصبحت منكرة له,
وهذا ما اكده علي بن ابي طالب نفسه حيث قال :
" فلما مضى عليه السلام تنازع المسلمون الامر من بعده،
فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذا الامر من بعده صلى الله عليه واله عن اهل بيته,ولا انهم منحّوه عني من بعده,
فما راعني الا انثيال الناس على فلان يبايعونه,
فامسكت يدي حتى رايت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد صلى الله عليه واله, فخشيت ان لم انصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولا يتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل..".
4
فعلي إذن قد صالح أتباع السقيفة وذلك لأنّ الامور وصلت الى مسوى ومرحلة يخشى به على الاسلام, واخراج الامام علي عليه السلام من دائرته وبالتالي لا يستطيع أنْ يقوم بوظيفته، وهي القيمومية والحفاظ على الدين من التصدع والتحريف, ودخول الاهواء والنزعات النفسية فيه,
فلذلك صالح القوم وقرّر أنْ لا يذهب الى مكان عام، بل يكون في بيته ثم طلب حضور أبي بكر فقط، وبشرط أنْ لا يحضر عمر لانه يكره حضوره، ةويكره مجالسته ورؤيته,
حيث كان الداعية الرئيسي الى الانقلاب الذي حدث في السقيفة. ..
وهو الذي مهد لها باتهام النبي صلى الله عليه واله وسلم بعدم الوعي وعدم المعرفة بما يقوله في رزية الخميس المعروفة. ..
والتي طلب فيها النبي صلى الله عليه واله وسلم دواة وكتف ليكتب لهم كتابا يحفظ الامة من الضلال. ..
فرفض عمر الكتاب واتهم النبي صلى الله عليه واله وسلم بالهجر,
كما أنه هو الذي ركَّـز على الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام حينما اجتمع المعارضون للسقيفة في بيت علي عليه السلام. ..
وهو الذي قرر حرق البيت ان لم يبايعوا واصروا على الاجتماع في بيت الامام علي عليه السلام. ..
ومن جانب اخر فان علي بن ابي طالب عليه السلام ملتزم بالسنة النبوية, ومتبعا لها اشد الاتباع. ..
وقد رووا في مصادرهم الحيث التالي :
" من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"
5.
قال ابن حجر في فتح الباري:
" قوله: مات ميتة جاهلية.
في الرواية الاخرى: فمات الا مات ميتة جاهلية.
وفي رواية لمسلم فميتته ميتة جاهلية,
وعنده من حديث ابن عمر رفعه:
(من خلع يدا من طاعة لقي الله ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ).
قال الكرماني: الاستثناء هنا بمعنى الاستفهام الاستنكاري اي ما فارق الجماعة أحد الا جرى له كذا أو حذفت ما فهي مقدرة أو الا زائدة أو عاطفة على رأي الكوفيين. والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له امام مطاع لانهم كانوا لا يعرفون ذلك, وليس المراد أنه يموت كافرا بل يموت عاصيا.
ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وان لم يكن هو جاهليا, أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير, وظاهره غير مراد,
ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه قوله في الحديث الاخر: (من فرق الجماعة شبرا فكأنما خلع ربقة الاسلام من عنقه ).
أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان ومصححا من حديث الحرث بن الحرث الاشعري في أثناء حديث طويل,
وأخرجه البزار والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس وفي سنده خليد بن دعلج وفيه مقال. وقال: من رأسه بدل عنقه. ..
قال ابن بطال: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار, وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء, وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده, ولم يستثنوا من ذلك الا اذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ".
6
وهذا الكلام يقتضي ان يكون الامام علي عليه السلام مدة حياة فاطمة عليها السلام يعيش عيشة جاهلية, لانه مفارق للجماعة بحيث لايكلمهم ولايحضر جماعتهم, وكان يعتقد بانهم غصبوا حقه وتجاوزوا عليه, فهو لو مات على هذا الحال بمقتضى كلام ابن حجر مات ميتة جاهلية, وهذا لايمكن لمسلم قبوله والتصديق به لان علي ابن ابي طالب عهد اليه النبي صلى الله عليه واله وسلم:
" انه لايحبه الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق".
7
فبعد ذلك لايمكن الاعتقاد بان علي بن ابي طالب عليه السلام خالف السنة النبوية والشريعة الاسلامية بترك مبايعة الخليفة الواجب طاعته ومتابعته وبقي وليس في رقبته بيعة لاحد.
ومما يدل على أن علي بن أبي طالب بقي رافضا لابي بكر وعمر قصة استخلاف عثمان بن عفان حيث اشترط عليه العمل بسيرة الشيخين فرفض يقول ابن حجر:" فلما أصبح عرض على علي فلم يوافقه على بعض الشروط, وعرض على عثمان فقبل, ويؤيده رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا.
فقال: ما ذنبي بدأت بعلي فقلت له أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة ابي بكر وعمر فقال: فيما استطعت وعرضتها على عثمان فقبل....
ثم من رواية عمران بن عبد العزيز عن محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري عن الزهري عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن ابيه قال: كنت اعلم الناس بامر الشورى لاني كنت مع رسول عبد الرحمن بن عوف فذكر القصة وفي اخره فقال: هل انت يا علي مبايعي ان وليتك هذا الامر على سنة الله وسنة رسوله وسنة الماضين قبل؟
قال: لا ولكن على طاقتي لإاعادها ثلاثا, فقال عثمان: أنا يا أبا محمد أبايعك على ذلك قالها ثلاثا فقام عبد الرحمن وأعتم ولبس السيف. ..".
8
فلو كان الامام علي عليه السلام مبايعا لابي بكر وراضيا بخلافته وسيرته فلامعنى لان يرفضها اليوم ويرفض السير بسيرة ابي بكر وعمر ويكون ذلك على حساب الخلافة وتولية امور المسلمين, خصوصا وان ابن حجر ذكر ان الامام علي عليه السلام كان يرى الخلافة له من بعد عمر ولكن عبد الرحمن خاف من الامام علي عليه السلام فلذلك ابعده عنها وادلى بها الى عثمان بادخال شرط السيرة على منهج الشيخين.
وفي هذا دلالة واضحة على عدم مبايعة الامام علي عليه السلام لهم وانما صالحهم وعقد هدنة معهم, وعقد الصلح جائز لا محذور فيه حيث ان الصلح جائز حتى مع المشركين كما صالح النبي صلى الله عليه واله وسلم مشركي قريش وقبل بشروطهم ومن شروطهم ان لايكتب انه نبي ومرسل من قبل الله تعالى, فرضي بذلك وامر بكتابة الكتاب على طبق راي المشركين.
1- الشبهة منقولة من ملف( اسئلة قادت شباب الشيعة الى الحق).
2 - صحيح البخاري83:5 كتاب المغازي باب غزوة خيبر.
3 -المفهم لما اشكل من صحيح مسلم 240:2.
4 - نهج البلاغة خطب الامام علي عليه السلام118:3 من كتاب له الى اهل مصر مع الاضتر رقم 61.
5 - صحيح مسلم 6: 23 كتاب الامارة.
6 -فتح الباري5:13باب قول النبي ص سترون بعدي أمورا تنكرونها.
7 -صحيح البخاري61:1كتاب الايمان.
8 - فتح الباري171:13 باب كيف يبايع الامام الناس.
2010-04-28 17:51:53