الشيخ عبدالله دشتي
» وقفة مع قانون الصحابة» للشيخ عبدالله دشتي
وقفة مع قانون الصحابة» للشيخ عبدالله دشتي
مراجعة علمية على قانون حظر التعرض للصحابة في دولة الكويت
تتكرر بين فترة واخرى عبارة «سب الصحابة» على ألسنة البعض، وقد صدر في هذا المجال القانون رقم 3 لسنة 2006 الذي يحظر التعرض للصحابة.
وقد اصدر الشيخ عبد الله دشتي كتابا من ثلاثين صفحة من القطع الصغير يلقي الضوء على مفهوم الصحابة والاختلافات في هذا المجال ويعلق كذلك على نص القانون وما جاء فيه، وقد استهله بمقدمة القى فيها الضوء على احقية الخلاف العلمي مبينا الاسس التي يجب ان يقوم عليها، وجاء في الكتاب:
مقدمة ومدخل
الاختلاف العلمي امر لابد منه بين البشر ويلحظه كل من يبلغ سن التمييز منهم، وليس الاختلاف الواقع بين المذاهب الاسلامية المتنوعة الا مصداقا لها، وبينها الحق والباطل بل كل مذهب قد يكون فيه الحق والباطل، لكن الاصل الذي فرضه الاسلام في ذلك هو قوله تعالى: «لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي» البقرة اية 256.وقوله عز وجل «انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء» القصص اية56 وقوله «فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمصيطر» الغاشية الايات 21 - 22 وكلها تجمع على ان الدين يجب ان يدخل في قلب الانسان وباختياره الذاتي ولا قيمة لما يتلقاه الانسان كرها وقهرا، بل ذم القرآن التقليد الاعمى في امر الدين وخاصة تقليد الاباء فقال تعالى «قالوا بل نتبع ما الفينا عليه اباءنا اولو كان اباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون» البقرة اية 170.
ولذا كان العقل والتعقل هو الاساس في الاسلام وتقديم الادلة هو المنهج الذي سار عليه القرآن الكريم والرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم، وهذا يقتضي وجود فسحة من البحث العلمي بين اصحاب الحق وغيرهم في كل جوانب الاسلام، نعم هناك خصوصية للتوحيد، فللشرك والمشركين احكام خاصة في الاسلام.
فحري بابناء المذاهب المختلفة ان يستهدوا بنصوص الشرع واحكامه في طريقة تعامل بعضهم مع البعض الاخر بعيدا عن التخندق والتراشق ولقد اظهر امير المؤمنين علي بن ابي طالب «عليه السلام» النهج الاسلامي في التعامل مع المسلم الذي اختلط عليه امر الدين وحمل افكارا واضحة الضلالة والزيغ، فتحدث يخاطب الخوارج قائلا: «الا ان لكم عندي ثلاث خصال ما كنتم معنا، لا نمنعكم مساجد الله ان تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم فيئا ما كانت ايديكم مع ايدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا».سنن البيهقي الكبرى ج8 ص184.
كما ان عليا عليه السلام - حينما اضطر لقتال اهل القبلة - هو الذي علم الامة نهج التعامل مع من يحمل السلاح من المسلمين ويبغي على ولي الامر، فقد روى النووي قول الشافعي: «أخذت السيرة.. في قتال البغاة من علي رضي الله عنه» المجموع ج20 ص 337.
واذا اردنا ان نحدد نهجا محوريا للخروج من عالم الفتن والعمى الى عالم الهدى والنور والصراط المستقيم فلن تجد كالعلم والعقل والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الجامعة المتفق عليها، كل ذلك بعيدا عن الغوغاء وعالم الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق، بل كل فشل وازمة تعيشها الامة تنطلق من الغوغاء الذين يبحثون عن الانتصارات السياسية وان كانت على حساب الحق والخير ومصلحة الامة وقد لاقى ائمة اهل السنة وعلماؤهم الاجلاء مثل ما لاقاه علماء الشيعة وعقلاؤهم من الغوغاء الذين تحركهم العصبيات لا العقل والعلم، واليك بعض ما لاقاه ثلاثة من عظماء علماء الاسلام:
-1 الطبري
ابو جعفر محمد بن جرير صاحب التاريخ والتفسير، مات في سنة 310 من الهجرة، قال الذهبي: «وقد وقع بين ابن جرير الطبري وبين ابن ابي داود وكان كل منهما لا ينصف الاخر، وكانت الحنابلة حزب ابي بكر بن داود، فكثروا وشغبوا على ابن جرير، وناله اذى ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى».
سير اعلام النبلاء ج 14 ص277 ابو بكر بن ابي داود شيخ الحنابلة في ذلك الوقت ابن صاحب السنن له قصة يذكرها الذهبي يقول في سير اعلام النبلاءج 13 ص 229: «قال - ابن عدي - وسمعت محمد بن الضحاك بن عمرو بن ابي عاصم يقول اشهد على محمد بن يحيى بن مندة بين يدي الله انه قال: اشهد على ابي بكر بن ابي داود بين يدي الله انه قال: روى الزهري عن عروة ان قال حفيت اظافر فلان - يعني عليا - من كثرة ما كان يتسلق على ازواج النبي صلى الله عليه واله وسلم».
ثم يعلق الذهبي على الخبر قائلا «ابن ابي داود ان كان حكى هذا الخبر فهو خفيف الرأس، لقد بقي بينه وبين ضرب العنق شبر لكونه تفوه بهذا البهتان فقام معه وشد منه رئيس اصفهان.. الذكواني وخلصه من ابي ليلى امير اصفهان، وكان انتدب له بعض العلوية خصما ونسب الى ابي بكر المقالة واقام عليه الشهادة محمد بن يحيى بن مندة الحافظ ومحمد بن عباس الاخرم واحمد بن علي بن الجارود واشتد الخطب، وامر ابو ليلى بقتله، فوثب الذكواني وجرح الشهود مع جلالتهم فنسب ابن منده الى العقوق، ونسب احمد الى انه يأكل الربا، وتكلم في الاخر، وكان الهمداني الذكواني كبير الشأن فقام واخذ بيد ابي بكر وخرج به من الموت» ويظهر ان اباه صاحب السنن كان يضعفه قال ابن عدى في «الكامل» ج 5 ص 437: «وابن ابي داود تكلم فيه ابوه وابراهيم الاصفهاني».
لكن حقيقة الاحداث التي جرت لابن جرير ينقلها ابن الاثير في تاريخه، فقد نقل اولا كلام البعض وقوله: «ودفن ابن جرير ليلا بداره لان العامة اجتمعت ومنعت من دفنه نهارا وادعوا عليه الرفض ثم ادعوا عليه الالحاد»، ثم بين ابن الاثير الحقيقة قائلا: «واما ما ذكروه عن تعصب العامة، فليس الامر كذلك، وانما بعض الحنابلة تعصبوا عليه ووقعوا فيه فتبعهم غيرهم، ولذلك سبب، وهو ان الطبري جمع كتابا ذكر فيه اختلاف الفقهاء لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه احمد بن حنبل فقيل له ذلك فقال: لم يكن فقيها وانما كان محدثا، فاشتد ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد فشغبوا عليه وقالوا ما ارادوا» الكامل في التاريخ ج6 ص677 - 678.
-2 النسائي
وهو ابو عبد الرحمن احمد بن شعيب الامام الكبير صاحب السنن الكبرى والصغرى استشهد في سنة 303 من الهجرة روى الحاكم النيسابوري قال: «حدثني محمد بن اسحاق الاصفهاني قال: سمعت مشايخنا بمصر يذكرون ان ابا عبد الرحمن فارق مصر في اخر عمره وخرج الى دمشق فسئل بها عن معاوية وما روي في فضائله فقال: لا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل؟ فما زالوا يدفعونه في حضنيه حتى اخرج من المسجد، ثم حمل الى الرملة ومات بها؟ معرفة علوم الحديث ص83، فلو فرضنا ان النسائي كان مخطئا في موقفه من معاوية، هل يجوز ان يتعامل معه بهذا النحو ويقتل!! اليس هذا فعل الغوغاء الخالي من الدين والعلم والعقل.
وحينما يتحدث الدارقطني عن هذا العالم الكبير يقول «خرج حاجا فامتحن بدمشق، وادرك الشهادة فقال: احملوني الى مكة.. قال: وكان من افقه مشايخ مصر في عصره واعلمهم بالحديث والرجال». سير اعلام النبلاء ج14 ص132 - 133.
-3 الحاكم النيسابوري
ابو عبد الله محمد بن عبد الله صاحب المستدرك على الصحيحين يروي الذهبي بسنده عن ابي عبد الرحمن السندي قال «دخلت على ابي عبدالله الحاكم وهو في داره لا يمكنه الخروج الى المسجد من اصحاب ابي عبد الله بن الكرام، وذلك انهم كسروا منبره ومنعوه من الخروج، فقلت له لو خرجت وامليت في فضائل هذا الرجل لاسترحت من هذه المحنة، فقال: لا يجيء من قلبي لا يجيء من قلبي يعني معاوية» تاريخ الاسلام «401 هـ - 420هـ»، ص 132.
قال ابن تيمية: «ان الحاكم منسوب الى التشيع وقد طلب منه ان يروي حديثا في فضائل معاوية فقال: لا يجيء من قلبي لا يجيء من قلبي، وقد ضربوه على ذلك فلم يفعل» منهاج السنة ج7 ص 373.
هذا مشهد ثالث يؤكد ان مشكلات المسلمين ليست مشكلات طائفية وبسبب انتمائهم الى مذاهب مختلفة وانما جوهر الخلل في التعصب الاعمى ونبذ العلم والعقل والحكمة والموعظة الحسنة، فهؤلاء ائمة ونخبة من علماء السنة لاقوا ما لاقوا من غوغاء ينتمون لنفس الطائفة في العصر الحديث وفي ارضنا الطيبة.
وحينما نسرع في تصفح التاريخ ونصل الى موقع هو جزء من وطننا قرية الجهراء في صباح الاحد 26 محرم 1339 من الهجرة حيث زحفت قوات الظلام والتعصب وباسم الدين على القرية وبعد قتال دخلوا القرية ولاحقوا المنهزمين واخذوا يطلقون نيران بنادقهم في الطرق والدور والازقة والمساكن، فساد الرعب والذعر بين سكان القرية جميعا، وحاول كل فرد ان ينجو بنفسه كل باتجاه، فارسل الشيخ سالم امير الكويت حينذاك الذي كان متحصنا بالقصر الاحمر - الى الشيخ احمد الجابر وكان قد عهد اليه ادارة امور مدينة الكويت يطلب منه النجدة وارسال المؤونة والسلاح.
في تلك الظروف الحرجة اجتمع السيد محمد مهري القزويني بالشيخ احمد الجابر واخبره باستعداد الشيعة لحمل السلاح والخروج معه الى قتال المهاجمين وطلب الاذن بذلك فكان جواب الشيخ احمد الجابر: «يا سيدي انك تعلم بان الاخوان يكفروننا ونحن على مذهب اهل السنة فاذا ما علموا بخروجكم الى قتالهم وانتم على مذهب الشيعة فسيزيد ذلك حماستهم وتتعقد الامور علينا وعليكم وتشتد الازمة»، فتم الاتفاق بين السيد القزويني وبين الشيخ احمد الجابر ان يتولى الشيعة حراسة المدينة ويذهب الاخرون للقتال تاريخ الكويت السياسي ج4 ص264 - 266.
فكما هو واضح لا تنطلق مشاكلنا من انقسامنا الى شيعة وسنة، وانما تنطلق من التعصب والفظاظة في مقابل الحكمة واللين والكلمة الطيبة والتي هي احسن.
المشكلة تنطلق في جزء مهم منها ان ثقافة هؤلاء الذين هاجموا الجهراء انتفلت الى الحالة الدينية في الكويت، فقد تم تسليم الجيل الجديد الى تلك الثقافة، خلافا لثقافة كثقافة الازهر الشريف القائمة على التسامح والمحبة، ازهر النور والعلم، وتحولت الكويت بالتدريج من مجتمع التسامح والمحبة بين السنة والشيعة الى التكفير واباحة دماء الطرف الاخر، والادهى ان يدون ذلك في منهاج التربية الاسلامية في مرحلتي التاسع والعاشر كما بينت ذلك في رسالة بعنوان «تطهير المناهج من التكفير».
وبعبارة اخرى ليست المشكلة بين الشيعة والسنة، المشكلة في الانقسام بين مدرسة الطبري ومدرسة ابن ابي داود هي مشكلة سنية سنية قبل ان تكون سنية شيعية، وتجدون هذا الانقسام واضحا وجليا في تنوع الاساتذة في كلية الشريعة في جامعة الكويت وكذلك في تنوع طريقة تعامل المسؤولين في وزارة الاوقاف مع قضايا الطائفة الاخرى.
ان الخطير في ذلك كله هو التمويه الاعلامي الذي يسعى لاظهار افكار ومتبنيات ابن ابي داود على انها افكار اهل السنة وان ما يقول به ابن عبد الوهاب او ابن تيمية بشكل عام هو رأي اهل السنة ضاربين بعرض الحائط اراء علماء السنة الذي اختلفوا معهما.
واخطر تلك الافكار هي شركية زيارة القبور والاضرحة، والكل يعلم ان مسألة زيارة القبور وان زوار القبور مشركون ودمهم مباح ليس كلاما موجها ضد الشيعة بل يقصد به السنة والشيعة عل حد سواء فهو يكفرون بكلامهم هذا كل أهل السنة الذين يقومون بأفعال شركية - في زعمهم - عند قبر رسول الله «صلى الله عليه وسلم» فالمصيبة انهم يخدعون الأمة ويوهمون أن شركية زيارة القبور هي رأي أهل السنة وليس الامر كذلك.
قانون تجريم التعرض للصحابة
الامر الاخر الذي يحاولون ان يوهموا انه رأي أهل السنة هو مادون في قانون تجريم التعرض للصحابة والمذكرة التفسيرية التابعة له، وهو قانون اقل ما يقال عنه انه يفتقد الاسس المنطقية والعقلية.
وهو القانون رقم 3 لسنة 2006 بشأن قانون المطبوعات والنشر، اذ ينص في مادة 19 على التالي: «يحظر المساس بالذات الإلهية أو القرآن الكريم أو الانبياء أو الصحابة الاخيار او زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أو آل البيت عليهم السلام بالتعرض او الطعن او السخرية او التجريح بأي وسيلة من وسائل التعبير المنصوص عليه في المادة29 من القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض احكام الجزاء رقم 16 لسنة 1960».
وجاء في المذكرة التفسيرية التالي: «رابعا: ينظم الفصل الثالث من القانون المسائل المحظور نشرها في المطبوع أو الصحيفة العقوبات حيث حظرت المادة 19 من القانون المساس بالذات الإلهية او القرآن الكريم او الانبياء او الصحابة الاخيار او زوجات النبي «صلى الله عليه وسلم» او آل البيت عليهم السلام..
ويقصد بالصحافة كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما مؤمنا به ومات على ذلك وخاصة ازواجه وآل بيته عليهم السلام، كما يقصد بآل البيت عليهم السلام آله و اقاربه المؤمنين به الذين عاصروه في حياته «صلى الله عليه وسلم».
تذكرني هذه الفقرة الاخيرة بقضية الحكمين واتفاق ابي موسى الاشعري وعمرو بن العاص على خلع علي ومعاوية، فبعد المفاوضات خرجا وبدأ ابو موسى بالكلام قائلا: نظرنا في امر هذه الامة فلم نر اصلح لأمرها ولا الم لشعثها من امر قد اجتمع عليه رأيي ورأي عمرو، وهو ان نخلع عليا ومعاوية... واني قد خلعت عليا ومعاوية، واقبل بعده عمرو فقال: ان هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه وانا اخلع صاحبه كما خلعه واثبت صاحبي. «المنتظم لابن الجوزي ج3 ص371».
فالقانون اريد منه في حديثه عن أهل البيت عليهم السلام ارضاء الشيعة كما حاول أبو موسى ارضاء أهل الكوفة بخلع معاوية، لكنه جاء في مذكرته التفسيرية بعد ان فسر الصحابة بتفسير خاص لم يتنباه الا بعض علماء السنة افرغ مفردة آل البيت عن معناه المعروف عند الشيعة الى معنى لم يذكر لا عند الشيعة ولا عند السنة وقالوا ان اهل بيت الرسول «صلى الله عليه وسلم» هم خصوص من عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من آله، وهذا - فضلا عن انه تكرار لدخولهم بذلك تحت عنوان الصحابة - اخراج للإمام السجاد والباقر والصادق عليهم السلام عن عنوان اهل البيت الذين لا يجوز التعرض لهم، فعاد التحكيم واعاد التاريخ نفسه.
الاعتراضان الأساسيان
ليس هناك اعتراض اساسي على القانون في حد ذاته، فقد تجد اجماعا على احترام هذه المفردة بملاحظة القيد المضاف الى لفظة الصحابة وهي كلمة الاخيار بناء على انه قيد احترازي يقصد منه اخراج من يمكن ان يعتبروا صحابة غير اخيار، لكن الاعتراض يتلخص في نقطتين رئيسيتين هما:
1- تنطلق المصيبة الاولى من المذكرة التفسيرية التي نصت على ان الصحابي هو :«كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مسلما مؤمنا به ومات على ذلك». فالمتبادر الى العقل والى ذهن كل مسلم ان مفردة الصحابة تنطلق في قدسيتها من نصرة الرسول والوقوف معه وتأييده في تلك المرحلة الحاسمة من تاريخ صراع الحق مع الكفر والشرك والنتيجة الطبيعية ان يعلق تقديس الكلمة على النصر والهجرة مثلا لا على الرؤية، فلا اعرف من اين يكسب صاحب العين التي رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدسيته بمجرد ذلك مع رؤية الكثير من الكفار والمنافقين لرسول الله «صلى الله عليه وسلم»، هل هناك منطق ام هي عصبيات موروثة؟!
ففي المحور الاول من نقاشنا لهذه المادة القانونية نبين منافاة هذا التعريف للموروث الاسلامي اي الكتاب والسنة والآثار الثابتة عن الصحابة والتابعين، فهل يجوز للمشروع الكويتي ان يتجاوز النصوص الاسلامية ويستخدم المفردة باستخدام ويخالف استخدامات رسول الله «صلى الله عليه وسلم» للكلمة. وقبل ان نفضل في هذا المحور نعرض المحور الثاني.
2- فالنقطة الاخرى التي نعترض عليها اضافة لفظة التجريح، فهذه اللفظة من الالفاظ المحورية في علم الرجال او كما يقال علم الجرح والتعديل، والجهود الضخمة التي قام بها علماء الاسلام شيعة وسنة لتنقيح الاحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنقيتها من الكذب و الدس تتقوم بجرح الرجال وتمييز الضعيف المجروح من الثقة.
فاذا قصد بالكلمة نفس المعنى المقصود في علم الحديث والرجال فهذا قتل للبحث العلمي ومناف وبنحو صارخ للمادة «36» من الدستور الذي ينص على ان حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة.
واذا قصد من الكلمة معنى اخر فيجب ان يبين ذلك المعنى وانه لا يشمل التجريح الرجالي وينص على ذلك في المذكرة التفسيرية حتى لا يخشى الباحث الاسلامي الوقوع تحت طائلة تفسير احمق جاهل لهذه المفردة المذكورة في المادة القانونية. قال ابن الصلاح: «اجمع جماهير أئمة الحديث و الفقه على ان يشترط فيمن يحتج بروايته ان يكون عادلا ضابطا لما يرويه». علوم الحديث ص 104.
ثم يقول في النوع الحادي والستين: «الكلام فيهم جرحا وتعديلا متقدم ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجوز ذلك صونا للشريعة ونفيا للخطأ والكذب عنها، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة.
ورويت عن ابي بكر بن خلاد قال: قلت ليحيى بن سعيد: اما تخشى ان يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة؟
فقال: لان يكوا خصمائي احب الى من ان يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي: لم لم تذب الكذب عن حديثي؟! وروينا او بلغنا ان ابا تراب النخشبي الزاهد سمع من احمد بن حنبل شيئا من ذلك فقال له: ياشيخ! لا تغتب العلماء، فقال له: ويحك! هذه نصيحة ليس هذا غيبة». علوم الحديث ص 389.
فاذا قيل: نعم ولكن الصحابة ثبتت عدالتهم، نقول: مقتضى البحث العلمي ان تسمحوا بالبحث عن معنى الصحابة وعن الخلاف الموجود في تعريفهم، فهي المفردة التي تريدون ان ترتبوا عليها عنوان العدالة، ثم بعدها يجب ان تسمحوا بالبحث عن صحة ومنطقية ترتيب العدالة على عنوان الصحابي، فللباحث ان يعترض على تعريفكم ومن ثم يجرح جرحا رجاليا من لا يقتنع بدخوله تحت التعريف، وله ان ينفي وجود دليل يقتضي ترتيب العدالة على عنوان الصحابي.
نعم ولكم ان تطلبوا احترام مقدسات المذاهب لكن لا على حساب البحث العلمي والجرح والتعديل وبنحو مناف للدستور كما بينا، وما نقوله ان كلمة التجريح ان شمل التجريح الرجالي كانا منافيا للدستور، وان لم يقصد به ذلك كان خللا في صياغة المادة القانونية.
تعريف الصحابي في التراث الإسلامي
نعود الآن للتفصيل في المحور الأول ونبين منافاة التعريف الذي ورد في المذكرة التفسيرية لنصوص التراث الإسلامي المجمع عليها، وإن هذا المعنى المذكور انطلق من بدعة حدثت في القرن الثالث الهجري.
ويتبين بذلك أنه قانون يتنافى مع المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، إذ كيف يعقل سن قانون يستعمل ويفسر مفردة شرعية - مثل مفردة الصحابي - استعمالا وتفسيرا يناقض ويضاد استعمال رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» وتفسيره، وهذا ما سيتضح لك بعد قليل.
وباعتبار أنها مفردة مستقاة من التراث الإسلامي يجب ان نتعامل مع الدليل العقلي ونصوص القرآن الكريم والروايات الواردة عن رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» واستعمالات طبقة الصحابة والتابعين، وبذلك يتضح أن الاستعمال والمعنى الحادث الذي في المذكرة التفسيرية ابتدع بعد ذلك الزمن.
أولا: العقل
مقتضى العقل أن يقال إذا نصر مسلم - معاصر لرسول الله «صلى الله وعليه آله وسلم» رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» فتلك النصرة تقتضي العدالة إلا أن يأتي الدليل المنافي والمعارض، وأما أن رؤية رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» تقتضي العدالة المترتبة على عنوان الصحبة فلا أتخيل منشأ عقليا ولا عقلائيا لذلك، بل منـشأه التعصب وبكل ما للكلمة من معنى.
نعم تجد في كلمات البعض الاستدلال على ذلك بأمر غريب تجده ففي كلام أبي المظفر السمعاني مقررا دليلا من عرف الصحابة بالرؤية إذ قال: «أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى حديثا أو كلمة، ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة، وهذا لشرف منزلة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» اعطوا كل من رآه حكم الصحبة».(علوم الحديث ص 293).
وهكذا قال السخاوي بعد أن ذكر أن الجمهور من المحدثين والأصوليين لا يكتفون بمجرد الرؤية بل يجب ان يتلبس معها بالصحبة: «وغيرهم اكتفى بمجرد الرؤية ولو لحظة وإن لم يقع معها مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة لشرف منزلة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» (فتح المغيث ج 3 ص 79).
فلا أعتقد أن هناك من يفهم طبيعة التلازم العقلي والمنطقي بين شرف منزلة النبي « صلى الله عليه وآله وسلم» والاكتفاء برؤيته «صلى الله عليه وآله وسلم» لتحقيق عنوان الصحبة لمعاصرة «صلى الله عليه وآله وسلم» المسلم، فيقال: إن علة الاكتفاء بمجرد رؤية النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» لتثبيت عنوان الصحبة هو شرف منزلته «صلى الله عليه وآله وسلم».
هل العقل يدل على أن المسلم الرائي للنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ذا المنزلة الشريفة يصبح صحابيا بمجرد الرؤية ومن ثم عادلا أم القرآن يدل على ذلك أم السنة تدل ؟! لماذا لشرف المنزلة هذا التأثير على فسق المسلم المعاصر فينفي عنه الفسق ويجعله صحابيا عادلا، ولا تأثير له على النفاق فلا يمكنه ان ينفي عنه النفاق ويجعله صحابيا عادلا؟ وبعبارة أخرى لماذا الوليد بن عقبة الذي نزل فيه
إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا(الحجرات آية 6).( قال ابن كثير في تفسيره ج 4 ص 223: «وقد ذكر كثير من المفسرين ان هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أي معيط حين بعثه رسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده». وذكر الخبر السويطي في (الدر المنشور) ج 7 ص 555 قائلا: «أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي). يصبح صحابيا بسبب رؤيته لرسول الله «صلى الله عليه وآله وسلم» بسبب منزلته الشريفة ويصبح عادلا بذلك ومن ثم ينفي عن الوصف المذكور في الآية، وأما عبدالله بن أبي بن سلول المنافق، روى البخاري في صحيحه ج 6 ص 189 عن زيد بن أرقم قال كنت في غزة فسمعت عبدالله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الاعز منها الاذل... فأنزل الله تعالى
إذا جاءك المنافقون. لايصبح صاحبيا بذلك ولا ينفى نفاقه مع أنه رأى الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» لماذا تؤثر هناك ولا تؤثر هنا؟!
مصادر الكتاب
اعتمد الكاتب على عدة مصادر أبرزها «سنن البيهقي الكبرى الجزء الثامن» و«المجموع الجزء العشرين» و«سير أعلام النبلاء الجزء الرابع عشر» و«تاريخ الإسلام» و«منهاج السنة» و«الكامل في التاريخ الجزء السادس» و«معرفة علوم الحديث» و«تاريخ الكويت السياسي الجزء الرابع» و«المنتظم لابن الجوزي الجزء الثالث» و«فتح المغيث الجزء الثالث» وصحيحا «البخاري ومسلم» و «شرح النووي على صحيح مسلم» و«تاريخ بغداد الجزء الأول» و«الاستيعاب» اضافة الى آيات قرآنية.
http://www.aldaronline.com/AlDar/AlD...rticleID=30518
http://www.aldaronline.com/AlDar/Upl...03142375-5.pdf
2010-05-18 13:56:52