لآلي
» اعاد عمر طبقية الجاهلية المفرطة الى المجتمع الإسلامي !
قال محمد بن جرير الطبري، الشيعي في المسترشد/524: «ومما نقموا عليه وضعه للعطاء وفرضه إياه للناس واتباعه سير الأكاسرة والقياصرة، رغبة عن الإستنان بسنة رسول الله (ص) ، فإن من سنته حمل الناس على الجهاد وطلب الثواب من الله، فأفسد على الناس الجهاد وأفسد النيات، وسن فيهم الجهاد بالكرى، فترك الناس ما أمرهم الله به ومالوا للكرى، والناس يجاهدون منذ زمانه إلى اليوم على مطامع العطاء وكرى الديوان، فذهب الجهاد الذي أمر الله به إلا من قوم قليل».
ومما نقموا عليه تفضيله للناس بعضاً على بعض في القسمة، وتفضيله المهاجرين على الأنصار، وتفضيله الأنصار على غيرهم، وتفضيله العرب على العجم، وقد كان أشار على أبي بكر بذلك فلم يقبل منه، قال : لقد عهدنا رسول الله أمس في هذه القسمة، وقد كان معه المهاجري والأنصاري، والعجمي، فلم يفضل أحداً على أحد، و إن أنا عملت برأيك لم آمن أن ينكر الناس عليَّ لقرب عهدهم بسيرة رسول الله (ص) ، وإنما هذه القسمة معاش الناس، يحتاج الأنصاري، إلى ما يحتاج إليه المهاجري، وإنما المهاجرون والأنصار فضلهم وشرفهم عند الله جل ذكره، لا في القسمة التي لا يجب أن يفضل فيها أحد عى أحد ! فلما أفضى الأمر إليه فضل بعضهم عى بعض، خلافاً على رسول الله (ص) وخلافاً على صحابه في كثير من الأشياء ».
أقول: كانت موارد الدولة وما زالت: الخراج والزكوات التي تسمى الصدقات، والأعشار أي الضرائب، والغنائم، والأنفال، وبقية الثروات الطبيعية .ومع أن الله تعالى جعل الأنفال لرسوله(ص) وبسط يده فيها، لكنه أوجب المساواة في العطاء في الغنائم للمقاتلين، والمساواة في العطاء من الخراج والصدقات لعامة المسلمين والعطاء مصطلح إسلامي هو الراتب الذي تعطيه الدولة لكل الناس بالمساواة، بقطع النظر عن أي اعتبار طبقي أو عرقي .
وقد بحث المحامي أحمد حسين يعقوب في كتابه:حقوق الإنسان عند أهل البيت والفكر المعاصر، سياسة عمر التي خالف فيها النبي(ص) وأسس فيها الطبقية في المجتمع الإسلامي فقال ملخصاً: « انفردت الشريعة الإسلامية من دون الشرائع، بأنها توجب على الدولة أن تقدم عطاء شهرياً أو أسبوعياً أو يومياً بحسب تقدير الإمام، الى كل واحد من رعاياها، على قدم المساوة بين جميع أفراد المجتمع . والعلة في ذلك أن المال الذي بيد الدولة مال عام، تعود ملكيته لأبناء المجتمع كلهم فهم يملكونه على الشيوع وبالتساوي فيما بينهم .
فعندما أعلن الرسول قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، أمره الله سبحانه وتعالى أن يوزع ما زاد عن نفقات الدولة على رعاياها، وبالسوية، لافضل في ذلك لعربي على أعجمي، ولا لمهاجر على أنصاري، ولا لسيد على مولى، فقام الرسول بتنفيذ هذا الأمر الإلهي طوال عهده الخالد، ولم يفرق في ذلك بين إنسان وإنسان، حتى صار عمله سنة فعلية واجبة الإتباع، علاوة على أنها أمر إلهي .
وجاء الخليفة الأول أبو بكر واتبع سنة الرسول الفعلية هذه، فكان يقسم المال بالسوية بين الناس، ولما تسلم عمر بن الخطاب الخلافة من بعد أبي بكر رأى أن سنة الرسول التي تسوِّي بالعطاء بين الناس ليست مناسبة ولا عادلة ! فهل يعقل أن يعطى الأعجمي كالعربي ! ويعطى ابن أحد القبائل العربية كما يعطى ابن قبيلة قريش ! ويأخذ العبد كما يأخذ السيد ! وتعطى زوجة الرسول أم سلمة، كما تعطى زوجة الرسول عائشة أو حفصة ؟!
لقد رأى هذا الخليفة أن التسوية بالعطاء ليست عدلاً، وتصوَّر أنه قد اكتشف فيها عيوباً، فقرر بوصفه خليفة رسول الله أن يبطلها ويُحِلَّ محلها سنة جديدة أوحى له بها عقله، فقسم الناس على مراتب في نفسه، وقسم العطاء عليهم بحسبها ! بل إن عمر لم يساو في العطاء حتى بين زوجات الرسول، فأعطى عائشة اثني عشر وحفصة مثلها، وأعطى لكل واحدة من زوجات الرسول الأخر عشرة آلاف درهم.
وينبغي التذكير بأن الصحابة كانوا حددوا راتب الخليفة أبي بكر بستين درهماً في الشهر، وكانت تكفيه لنفقات عائلته وضيوف الخلافة .
كما أغدق عمر عطاياه على كبار رجالاته وأعوانه، كعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص، وغيرهم من كبار الأغنياء، وخص بعطاياه رؤساء القبائل ووجهاء المجتمع، ومن هو بحاجة إلى ولايتهم وتأييدهم، فكان يعطي الواحد منهم الآلاف المؤلفة، أما بقية الناس، فكان يعطي كل واحد منهم بضعة دراهم ! وبهذه السياسة أبطر عمر الأقلية المترفة وزاد الأغنياء غنى وصل إلى درجة الفحش! وزاد المعدمين فقراً وصل إلى الإرقاع والتسول ! واستمر بهذه السياسة تسع سنين من عهده الرائد، مخالفاً لسنة رسول الله وعاملاً برأيه الشخصي !
النتائج المدمرة لاستبدال سنة النبي برأي عمر:
لم يستفظع فعل عمر إلا أهل بيت النبوة وقلة من مواليهم، فتجاهلهم الخليفة الغالب ونسي الناس أو أنسوا سنة الرسول، واتبعوا رأي عمر الذي تحول مع العمل والتكرار بقدرة قادر الى سنة واجبة الإتباع، ثم اكتشف عمر نفسه آثار رأيه المدمرة، ومع هذا بقي سائراً عليه حتى مات !
وجاء الخليفة الثالث فسار على نهج صاحبه وبالغ بالعطاء إلى أقاربه بإسم «صلة الرحم» وكوَّنَ منهم طبقة اجتماعية جديدة مترفة ! وجاء الخلفاء فنسجوا على منوال الخليفتين الثاني والثالث، تاركين شرع الله وسنة نبيهم ومتبعين سنة عمر! وظلوا على ذلك حتى سقوط آخر سلاطين بني عثمان !
بعد تسع سنين من تطبيق رأي عمر بن الخطاب ظهرت الطبقية والغنى المترف جنباً إلى جنب مع الفقر المدقع، وظهر الموت من التخمة والموت من الجوع معاً ! فطلحة بن عبيدالله، والزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعمر بن العاص، وأمثالهم، كانوا يملكون الذهب الذي يكسر برؤوس الفؤوس، وعمار وبلال وأهل بيت النبوة كانوا يعيشون التقشف والحاجة، وبعض جماهير الناس كانوا يموتون من الجوع موتاً حقيقياً فقد روى الذهبي في ترجمة أويس القرني أنه كان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والشراب ثم يقول:« اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عرياً فلا تؤاخذني به» !
ونمت بذور الصراع القبلي بين ربيعة ومضر، وبين الأوس الذين قربهم عمر والخزرج الذين عارضوه، وبين العرب والعجم، وبين الموالي والصرحاء، وتحولت البذور في مابعد إلى نار كبرت وكبرت حتى التهمت المجتمع الإسلامي كله، ونزعت منه فكرة العدالة الإجتماعية ! راجع تاريخ اليعقوبي:2/1
7، وشرح نهج البلاغة:8/111، وراتب أبي بكر الشهري في المجموع للنووي:2
/126.
وبعد تسع سنوات اكتشف عمر بن الخطاب أنه بإلغائه سنة رسول الله القائمة على المساواة بالعطاء، قد أسس النظام الطبقي في المجتمع الإسلامي، فهناك فئة محدودة يملك كل واحد من أفرادها مليارات الليرات الذهبية وعشرات الآلاف من دونمات الأرض الزراعية، ويكاد أن يموت من التخمة، بينما الأكثرية الساحقة من أبناء المجتمع لايجد الواحد منهم رغيف عيش يابس يسد به جوعه، أو متراً من الأرض يدفن فيه !!
وأمام هذه النتائج المدمرة أعلن عمر عن عزمه على الرجوع إلى سنة رسول الله فقال: «إن عشت هذه السنة ساويت بين الناس، فلم أفضل أحمر على أسود ولا عربياً على أعجمي، وصنعت كما صنع رسول الله وأبو بكر».تاريخ اليعقوبي:2/1
7، وشرح النهج:8/111 والطبري:5/22، وكتابنا: المواجهة مع رسول اللَّه وآله القصة الكاملة/22
.
ولم يعش للسنة القادمة، واستطاع بقصد أو بغير قصد، أن يهدم أعظم سنن رسول الله(ص) ، وأن يهدم الأساس الذي قام عليه الإقتصاد الإسلامي كله! والأهم أن عمله صار سنة بديلة لسنة رسول الله، وجاء جيل من الناس في عهده لا يعرف إن كان رسول الله يساوي بالعطاء بين الناس، وأن المساواة جزءٌ من الشرع الإلهي! وجاء الخليفة الثالث فتبنى سنة عمر وحول العطاء الى أقاربه بني أمية، ولما انتهى عهده كان الغنى الفاحش لدى قلة من الناس، والفقر المدقع سمة عامة للجمهور، وجاءت في عهده أجيال تجهل تماماً أن العطاء بالسوية جزءٌ من الدين !
الإمام علي يعيد سنة الرسول ويقسم مال الله بالسوية:
عندما قتل الخليفة الثالث لاذ المؤمنون الصادقون بالإمام علي، وأصروا عليه أن يبايعوه فبايعوه فعلاً وبايعه الذين بايعوا الخلفاء الثلاثه السابقين، وتخلف عن بيعة الإمام قسم من الطبقة المترفة التي استغتنت من حكم الخلفاء الثلاثة السابقين، كما تخلف عن بيعته المنافقون وأعداء الله الذين تستروا بالشهادتين !
والناس مجتمعون يلحون على الإمام للقبول بالخلافة أعلن الإمام برنامجه، وكان على رأس بنود هذا البرنامج: العدل في الرعية وتقسيم المال بالسوية . وسأل الإمام الذين ناشدوه القبول بمنصب الخلافة إن كانوا يوافقون على هذا البرنامج، فأجابوه نعم بالإجماع، عندئذٍ قبل الإمام وبايعه الناس على ذلك . كان هدف الإمام أن يعيد شرع الله وسنة نبيه، ومن أبرزها تقسيم المال بين الناس بالسوية لأنها سنة تميز دين الإسلام عملياً ونظامه السياسي عن غيره، وتشكل الأساس للنظام الإقتصادي الإسلامي، وتشكل تأميناً ضد البطالة والعوز، وتضمن تلبية الحاجات الأساسية لكل أفراد المجتمع الإسلامي، ولأنها الفائدة العملية التي يجنيها كل فرد من وجود الدولة لذلك أعطى الإمام اهتمامه لهذه السنة التي أوشك الناس أن يتناسوها، بعد أن هجرها الخليفتان قرابة عشرين سنة وحملا الناس على تناسيها وتركها بقوة الدولة وسلطانها .
ولم تكن مهمة الإمام سهلة فقد أحدث الخليفتان الثاني والثالث انقلاباً حقيقياً بالمفاهيم والقيم، ولذلك وجد الإمام مقاومة عنيفة من كل أولئك الذين استفادوا في العهود السابقة من عدم التسوية في العطاء، فكان الإمام يسألهم: «أليس كان رسول الله يقسم بالسوية بين المسلمين؟! »(تحف العقول/12).
وقال لما عوتب على تصييره الناس أسوة في العطاء من غيرتفضيل أولي السابقات والشرف: «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله ما أطور به ما سمر سمير، وما أمّ نجم في السماء نجماً، ولو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال الله . ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله . ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه ولا عند غير أهله إلا حرمه الله شكرهم وكان لغيره ودهم، فإن زلت به النعل يوما فاحتاج إلى معونتهم فشر خدين وألام خليل) !» (نهج البلاغة، 289 ـ 29
، عبده:2/1
)
وجاءه الصحابيان طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام، يطلبان التفريق والتفضيل بالعطاء! « فقالا له: إنا أتينا إلى عمالك على قسمة هذا الفئ، فأعطوا كل واحد منا مثل ما أعطوا سائر الناس، قال: وما تريدان ؟ قالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر . قال: فما كان رسول الله يعطيكما ؟ فسكتا، فقال: أليس كان(ص) يقسم بالسوية بين المسلمين من غير زيادة ؟ قالا: نعم . قال: أفسنة رسول الله أولى بالإتباع عندكما أم سنة عمر ؟ قالا: سنة رسول الله، ولكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة وغناء وقرابة، فإن رأيت أن لا تسوينا بالناس فافعل، قال: سابقتكما أسبق أم سابقتي؟ فقالا سابقتك، قال الإمام: فقرابتكما أم قرابتي؟ قالا: قرابتك، قال الإمام: فغناؤكما أعظم أم غنائي؟ قالا: غناؤك، فقال الإمام: » فوالله ما أنا وأجيري هذا إلا بمنزلة واحدة، وأومى بيده إلى الأجير» (المناقب:2/1
8 و 111). وقال(ع) : «أيها الناس، إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة وإن الناس كلهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضاً، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله عز وجل. ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الأسود والأحمر . فقال مروان لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما، فأعطى كل واحد ثلاثة دنانير، وأعطى رجلاً من الأنصار ثلاثة دنانير، وجاء غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الأنصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام بالأمس تجعلني وإياه سواء ؟!! فقال الإمام: إني نظرت في كتاب الله، فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلاً » ! (الكافي:8/29).
ولو فعلت الدول المعاصرة كما فعل الإسلام، وقدمت من مواردها الهائلة عطاء شهرياً لكل واحد من مواطنيها لما احتاج إنسان قط، ولاختفت ظاهرة الفقر واختفت مع السنين والأيام ظاهرة الطبقية البغيضة، وليس بعيداً ذلك اليوم الذي تعترف فيه الشرائع الوضعية وتعترف الأمم بهذا الحق الإنساني الطبيعي الفريد من نوعه، والذي نص عليه الإسلام، وجعله أساس العدل الإقتصادي والإجتماعي ».
س: ما رأيكم في هذه الآراء الفقهية ؟!
2010-04-06 11:27:35