المنصوري
» تجتمع العصمة للأئمة مع إعمال التقية
كيف تجتمع العصمة للأئمة مع إعمال التقية
قالوا : "لقد جمع الشيعة لأئمتهم بين العصمة والتقية، وهما ضدان لا يجتمعان؛ لأنّه ما الفائدة من عصمة أئمتهم إذا كنتم لا تدرون صحة ما يقولونه ويعملونه طالما أنّ تسعة أعشار دينكم التقية.
وبما أنكم تجعلون التقية ثوابها ومرتبتها بمرتبة الصلاة بحيث إنّ (تارك التقية كتارك الصلاة)، وأنّ: (تسعة أعشار الدين هو التقية) فلا شك أنّ أئمتكم قد عملوا بكُلّ الأعشار التسعة وهذا يضاد عصمتهم المزعومة"
1.
هذا الاشكال ناشئ من عدم فهم العصمة أولاً ومن عدم فهم التقية ومعناها ثانياً.
أما المسألة الأولى وهي العصمة فبحثها مستقل ومفرد في ضمن الأجوبة الأخرى التي تبحث في عصمة الأئمة عليهم السلام، ويكفي دليلاً على عصمتهم حديث الثقلين المروي في كتب السنة والشيعة، والذي يقول فيه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)
2.
وقوله صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام: (علي مع القرآن والقرآن مع علي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض)
3، وقوله صلى الله عليه وآله : (علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتّّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة)
4.
ومن الأمور المعلومة عند كُلّ شخص أنّ الذي يكون مع القرآن وفي مصافه ويكون مع الحق والحق معه دائماً معناه أنّه لا يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، وأنّه دائماً في طاعة الله تعالى وفي رضاه ورضوانه ومع الحق في كُلّ أحواله. وهذه هي العصمة التي نقصدها ونؤمن بها، وليست شيئاً غير ذلك حتّى يقال بأنكم تدعون العصمة للأئمة ويهول بها على الشيعة.
وأما التقية، فهي مفهوم إسلامي ورد في القرآن الكريم، قال تعالى في محكم كتابه الكريم (إلا أن تتقوا منهم تقاة)
5 حيث إنّها نزلت عندما نال عمار بن ياسر من الدين والنبي صلى الله عليه وآله، فجوز الله تعالى ذلك في حالة الضرورة بإجماع المسلمين، ولكن يبقى شيء آخر وهو أنّ التقية الجائزة لحفظ النفس والمال والعرض مع الكفار هل تجوز بين المسلمين؟
والجواب: قال الشافعي تحت تفسير الآية: (ظاهر الآية يدل على أنّ التقية إنّما تحل مع الكفار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رض ـ أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة للنفس).)
6
وقال الإمام الشوكاني وهو يعترض ويبين سبب نسبة زياد إلى أبي سفيان : (قوله: إن زياد بن ابي سفيان، وقع التحديث بهذا في زمن بني أمية، وأما بعدهم فما كان يقال له إلاّ زياد بن أبيه. . وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أمية فإنّما هو تقية..)).
7
وقال ابن حجر في فتح الباري : (قوله : إن زياد بن أبي سفيان كذا وقع في الموطأ، وكأن شيخ مالك حدث به كذلك في زمن بني أمية، وأما بعدهم فما كان يقال له إلا زياد بن أبي)
8.
وقال الإمام الذهبي في ترجمة سعدوية بن سليمان : (وأما أحمد بن حنبل فكان يغض منه، ولا يرى الكتابة عنه لكونه أجاب في المحنة تقية)
9.
وقال في ترجمة أبو نصر التمار : (وقال أبوالحسن الميموني: صح عندي أنه ـ يعني أحمد ـ لم يحضر أبا نصر التمار حين مات، فحسبت أنّ ذلك لما كان أجاب في المحنة.
قلت: أجاب تقية وخوفاً من النكال، وهو ثقة بحاله ولله الحمد)
10.
وقال في موطن آخر : (كان أحمد لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى ابن معين، ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب.
قلت : هذا أمر ضيق ولا حرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملاً بالآية. وهذا هو الحق، وكان يحيى من أئمة السنة فخاف من سطوة الدولة، وأجاب تقية).
11
وقال في موطن ثالث: (قال يعقوب القراب: سمعت عثمان بن سعيد الدارمي يقول: قد نويت أن لا أحدث عن أحدٍ أجاب إلى خلق القرآن. قال: فتوفي قبل ذلك.
قلت: من أجاب تقية فلا بأس عليه، وترك حديثه لا ينبغي.. )
12.
وقال في موطن رابع: (مات ابن السمسار في صفر سنة ثلاث وثلاثين واربعمائة، وقد أكمل التسعين، وتفرد بالرواية عن ابن أبي العقب وطائفة، ولعل تشيعه كان تقية لا سجية، فإنّه من بيت الحديث، ولكن غلت الشام في زمانه بالرفض..)
13.
وقال في ترجمة سعيد بن جبير : (ولما علم ـ يعني سعيد ـ من فضل الشهادة ثبت للقتل ولم يكترث، ولا عامل عدوه بالتقية المباحة له، رحمه الله تعالى..)
14.
وفي السير أيضاً: (قال سليمان التميمي: كان الشعبي يرى التقية، وكان ابن جبير لا يرى التقية، وكان الحجاج إذا أتى بالرجل ـ يعني مما قام عليه ـ قال له : أكفرت بخروجك علي؟ فإن قال: نعم خلى سبيله. فقال لسعيد: أكفرت ؟ قال: لا..)
15.
وقال المزي في تهذيب الكمال: (قال أحمد بن علي: وكان سعدويه من أهل السنة وامتحن فأجاب في المحنة ـ يعني تقية)
16.
وفي السير قال: (لما استخلف الوليد قدم المدينة، فدخل المسجد، فرأى شيخاً قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ قالوا: سعيد بن المسيب، فلمّا جلس أرسل إليه، فأتاه الرسول فقال: أجب أميرالمؤمنين، فقال : لعلك اخطأت باسمي، أو لعله أرسلك إلى غيري، فرد الرسول فأخبره، فغضب وهم به، قال: وفي الناس يومئذٍ تقية. فاقبلوا عليه فقالوا: يا أميرالمؤمنين، فقيه المدينة وشيخ قريش وصديق أبيك، لم يطمع ملك قبلك أن يأتيه، فما زالوا به حتّى أضرب عنه)
17.
وقال الشيخ أحمد شاكر: (والتقية إنّما تجوز للمستضعفين الذين يخشون أن لا يثبتوا على الحق، والذين ليسوا بموضع القدوة للناس، فهؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة أما أولو العزم من الأئمة الهداة، فإنّهم يأخذون بالعزيمة ويحتملون ويثبتون وفي سبيل الله ما يلقون، ولو أنّهم أخذوا بالتقية واستساغوا الرخصة لضل الناس من ورائهم.. )
18.
وقال ابن حجر في اللسان: (قال يوسف في المرآة: وكان إسماعيل بن حماد ثقة صدوقاً لم يغمزه سوى الخطيب، فذكر المقالة في القرآن. قال السبط: إنّما قاله تقية كغيره ومات سنة اثنتي عشرة)
19.
وفي تاريخ الإسلام: (وكتب المأمون في إشخاص سبعة أنفس وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خثيمة. .. فأشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه، فردهم من الرقة إلى بغداد.
وسبب طلبهم أنّهم توقفوا أولاً ثُمّ أجابوه تقية).
20
وقال أيضاً: (وقال الخطيب: كان سعدويه من أهل السنة وأجاب في المحنة، يعني تقية)
21
فالتقية من المسلمات الإسلامية التي يقّر بها جميع المسلمين، وليست من مبتدعات الشيعة أو مختصاتهم كما مر عليك الكلمات المتقدمة.
مضافاً إلى ورود أحاديث نبوية كثيرة وهي تقّر بمبدأ التقية وتجيزه بل وتصرح بأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله كان يستخدمه ويتعامل به مع بعض الأقوام أو الأفراد ففي صحيح البخاري عن أبي الدرداء قال: (إنّا لنكشر في وجوه أقوام وأنّ قلوبنا لتلعنهم..)
22.
وفي صحيح البخاري وغيره عن عائشة قالت: (استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ائذنوا له بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة، فلمّا دخل الآن له الكلام.
قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت ثُمّ النت له الكلام؟
قال: أي عائشة إن شرّ الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه)
23.
وعند أبي داود عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يا عائشة، إنّ من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء السنتهم)
24.
وعند البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله : (يا عائشة متى عهدتني محاشاً! إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)
25.
وعند أحمد عن عائشة: (أنّ رجلاً دخل على النبي صلى الله عليه وآله فأدناه وقرب مجلسه، فلمّا خرج قالت له عائشة: يا رسول الله ألم تكو تشكوا هذا الرجل؟
قال: بلى، ولكن إنّ من شرار الناس أو شر الناس الذين إنّما يكرمون اتقاء شرهم)
26.
وعن عمرو بن العاص أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (إنّ شرار الناس الذين يتقون بغير سلطان. .)
27.
وهنا لك أحاديث أخرى تصب في هذا الموضوع، ومن البين فيها أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله نفسه يستخدم التقية والمداراة مع بعض الناس، ويبين سبب هذا الاستخدام وهو اتقاء الفحش أو خشونة الكلام أو غير ذلك.. وهذه هي التقية التي تؤمن بها، فهي تعني المداراة واتقاء فحش أو ظلم الآخرين فعند ذلك يجوز للإنسان استخدام التقية مع مثلهم اتقاءً لسوء الخلق أو الظلم أو القتل أو سلب المال أو العرض وغيرها من الأمور المضرة، حتّى يندفع الضرر ويتقيه عن نفسه أو ماله أو عرضه. وهي أمر طبيعي حث عليها الإسلام وبينها كما لاحظنا، بل إن أي إنسان يستخدم التقية والمداراة في حياته اليومية.
والأئمة عليهم السلام استخدامهم للتقية بهذا المعنى الذي استخدمه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله جدهم ومربيهم ومعلمهم، ومع أنّه كان معصوماً كما يصفه الله سبحانه وتعالى: (وما ينطلق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى)
28، ومع ذلك مر علينا في الأحاديث السابقة أنّه كان يداري ويتوقى أصحاب الخلق السيء والذين لا يتورعون عن الفحش وخشونة الكلام، كذلك الأئمة كانوا يستخدمون هذه المدارة مع بعض الناس وبالخصوص مع حكام زمانهم وسلاطين وقتهم حيث كانوا تحت الرقابة الشديدة وتحت نظر الحكام الظالمين، وكانت الأعين عليهم مفتوحة، وهذا أمر لا ينكر بل هو مسطور في كتب الحديث والتراجم، ففي مثل هذه الظروف حرص الأئمة على المداراة والاتقاء، ولكن لا يعني ذلك أنّ جميع كلماتهم ورواياتهم والأخبار المنقولة عنهم صادرة عن تقية ومداراة، بل تقدم أنّ التقية تستخدم في مواطن الضرورة وعند الإحساس بالخطر ونحو ذلك.
وتقدم في الصفحات الآنفة أنّ الإمام يجوز له الاتقاء إذا أحس بالخطر أو الضرر على النفس أو العرض أو المال، وبين الوجه الصحيح عند ارتفاع ظرف الضرورة الذي أوجب الاتقاء في الكلام أو الفعل.
فالتقية والمداراة لا تتنافى مع العصمة، فهذا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو المكلف بالشريعة الخاتمة وبيانها وأحكامها كان يتقي ويداري أصحابه، بل هو صاحب المقولة المشهورة التي خاطب بها عائشة قائلاً: (لولا قومك حديث عهد بالكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس وباب يخرجون منه).
29
وعنها أيضاً : (أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لها: ألم ترى أن قومك لمّا بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم.
فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟
قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت).
30
فقومها مسلمون لكن النبي صلى الله عليه وآله يتقيهم ويتحاشهم من فعل بابين للكعبة أو ارجاعها على قواعد إبراهيم عليه السلام، فنحن أولى بالاتقاء واتباع سنة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في مثل هذه المواطن، أبى المواطن التي تستوجب المداراة أو تستلزم الضرر على النفس أو على الغير ممن يجب حفظ نفسه.
1. الشبهة منقولة من كتاب (اسئلة قادت شباب الشيعة إلى الحق ص 67) رقم الشبهة 86.
2. الحديث ورد بألفاظ مختلفة وطرق متعددة يلخص متنه العبارة التي ذكرناها، ويمكن الرجوع إلى مصادره في الكتب التالية: سنن الترمذي 5: 328، فضائل الصحابة: 15، المصنف لإبن أبي شيبة 7: 418، منتخب مسند بن عبد الحميد: 108، كتاب السنة: 337 وصححه محققه الشيخ الالباني.
3. المستدرك على الصحيحين 3: 124، مجمع الزوائد 9: 134، والمعجم الأوسط 5: 135، المعجم الصفير 1: 200، كنز العمال 11: 603 وحسنه.
4. تاريخ بغداد 14: 322 وسنده صحيح، تاريخ مدينة دمشق 42: 449.
5. سورة آل عمران: 28.
6. تفسير الرازي 8: 14.
7. نيل الأوطار 5: 194.
8. فتح الباري 3: 435.
9. سير أعلام النبلاء 10: 482.
10. سير أعلام النبلاء 10: 573.
11. سير أعلام النبلاء 11: 87.
12. سير أعلام النبلاء 13: 322.
13. سير أعلام النبلاء 17: 507.
14. سير أعلام النبلاء 4: 340.
15 سير أعلام النبلاء 4: 338.
16 تهذيب الكمال 10: 487.
17 سير أعلام النبلاء 4: 228.
18. نقل كلامه محقق سير أعلام النبلاء الشيخ شعيب الأرنؤوط في الهامش 11: 252.
19. لسان الميزان 1: 399.
20. تاريخ الإسلام 15: 21.
21. تاريخ الإسلام 16: 177، الوافي بالوفيات 15: 141.
22. صحيح البخاري 7: 102 كتاب الأدب.
23. صحيح البخاري 7: 86 كتاب الأدب، صحيح مسلم 8: 21 باب مداراة من يتقى فحشه.
24. سنن أبي داود 2: 435.
25. صحيح البخاري 7: 81 كتاب الأدب.
26. مسند أحمد 6: 111، مسند ابن راهوية 2: 310.
27. الاستذكار 8: 277، التمهيد 24: 263.
28. سورة النجم : 3 ـ 4.
29. صحيح البخاري 1: 40 كتاب العلم.
30. صحيح البخاري 2: 156 كتاب الحج.
2010-05-19 19:21:02